RSS

المثقف… الصنم

19 Sep

إسماعيل العبودي / الرياض

حينما تغيب الفكرة يبرز الصنم، رحمك الله يا مالك كم كنت تحمل فكراً استشرافياً خلاقاً، يا أستاذ الأجيال ما زلنا كما عهدت نقتات على أصنام تتغير وتتحول رسومها ولم يتغير مفعولها، بعد لم تجد الفكرة أرضا خصبة لتزهو وتجلب الأمل وتوسع الأفق.

لم تبرح فكرة الحزب، والجماعة، والحركة، والمثقف الشخص، والمنقذ يقتات في عقولنا وقلوبنا جيلاً بعد جيل، كلما تأملنا في فكرة ومبدأ، قلنا لعلها الفكرة الملهمة ثم لا تلبث أن “تتشخص” وتعود القهقرى كمثيلاتها، ليصبح الولاء والعمل والجهد ليس للفكرة بل للصنم الممثل.

والفكرة والمبدأ قد يخرق ويؤول وقد ينسى لأجل الصنم وبقائه ليعبد من دون فكرته التي قامت عليه، ليقتات الصنم على الفكرة لا أن يخدم المبادئ.

في الخمسينيات الميلادية، برزت فكرة القومية العربية لتستنهض الشعوب العربية لمحاربة الاستعمار والتحرر من الاحتلال الأجنبي من الشرق إلى الغرب، وفي النهاية تحولت هذه الفكرة إلى صنم، ولا صوت يعلو فوق صوت الصنم الشخص والحزب.

وبعد التضحيات والآمال، أورثت لنا الاستبداد والجمهوريات الوراثية. ومن الممكن القول، إن دوي سقوط الفكرة هو في عام النكسة.

والأحزاب اليسارية التي وعدت الطبقات الفقيرة والمسحوقة بالمن والسلوى، لم تختلف كثيراً عن تجربة القومية العربية وسقطت مع سقوط راعيها الأبوي الاتحاد السوفييتي.

بعد خيبة التجارب ولوعة الخسارة برز الفكر الإسلامي في مهمة القائد لمجتمعاته، وبالفعل أدى الدور واستنهض الطاقات واستحث الهمم لخدمة الأمة واستعادة سيادتها، ولم يختلف أسلوب العمل عن سابقيه، تحول إلى حزب وجماعة، أدت كل ما لديه من فكر وجهد ولم تستطع أن تواكب سرعة التحولات، فبزغ الصنم الولاء للجماعة ممثلة الدين، وليتحول كل نقد للحركات الإسلامية نقدا للتصور الإسلامي، ولو كان صاحب النقد من داخل الصفوف أو من المؤمنين بالإسلام كمنهج حياة.

ولتأتي السنن الكونية وتعمل عملها، ولتنقسم الحركات على نفسها، وتتعرض للهجرة العكسية، وخاصة من المميزين من أبنائها.

بعد خيبات أمل متتالية ونقد شرس للإيديولوجيات الشمولية، وتابع ذلك انتشار استخدام الشبكات الاجتماعية والمنتديات، أصبح الصنم هو الشخص المثقف الذي طالما نقد سابقيه من أولئك الذين عاشوا لأجل الحركة والجماعة والشخص الملهم، ولم يراعوا ويبنوا الفكر الرصين والمتحرر من نير الطاعة والخط الفكري.

هذا المثقف الذي ليس له ولاء لأي طائفة أو مجموعة، وقد يغير فكرته بين عشية وضحاها ولا يسأل عما يفعل من أي طرف، انتقلت فكرة الصنم عنده لتتحول إلى ذاته، ولنرى أصناما بأعداد المثقفين المولعين بالصنمية.

ذاك الإنسان الذي اجتهد وتعب في بنائه الفكري يريد مردود تلك المعاناة بأي ثمن، فطفق يستجلب الأتباع والأصحاب والقريبين.

نتج عن هذا “التصنم” الصراع بين تلك الأصنام، ومحاولات إسقاط طرف لطرف، ويحتضن هذا الصراع حلبة كبيرة جداً، اسمها المجتمع.

وليست المشكلة في الصراع بحد ذاته، إنما في “شخصنته”، وهذا ما جعل المثقف بدل أن يسعى للاستزادة من المعرفة وتطوير ذاته وطرح أفكار ومشاريع للتأثير في المجتمع، أضحى يحاول استجلاب الرفاق والظهور بمظهر القادر على القيام بدور المثقف المرشد الأعلى.

إن من أخرج الصحابة رضوان الله عليهم ليبلغوا الرسالة المحمدية الإيمان الشديد بالرسالة التي يحملونها، جعلت الواحد منهم يستسهل روحه وينسى نفسه في سبيل إيصال ما يؤمن به للعالمين.

وما جعل العالم الجهبذ يسهر الليالي ليثبت نظرية قد تكون جزئية صغيرة، هو إيمانه بقيمة وعظمة ما يصنع، وقد لا يحصل على التقدير الذي يستحقه في حياته.

إنه لفرق شاسع بين أن تأكل الفكرة ليل الإنسان وجسمه وقد تصل إلى روحه وبين من يقتات على فكرته أو فتاواه الفكرية.

إن شراسة الصراع وحدة المنافسة لا تبرر إطلاقاً خرق قوانين اللعبة، وكلنا يعيش سقوط مبدأ الأبوية، وإن شئت فقل السلطوية. هل العالم العربي بحاجة إلى أصنام قادرة على خطف الأضواء وصنع أمجاد من الورق، أم هو بحاجة أكثر إلى صنع أفكار حية، لاستنهاض المجتمع وتحريره.

السؤال ما هو المبدأ الذي يعيش من أجله مثقف العالم العربي في وقت أصبحت فيه الشعوب تنتزع حريتها وقادرة إلى حد كبير على أن تميز بين القيم من الأفكار والتافه، فهل المثقف قادر على تجاوز الصنم للعيش للفكرة حية في مجتمع يتململ ليحطم قيوده ويمزق أصنامه؟

(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين).

http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=12011

 
Leave a comment

Posted by on September 19, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: