RSS

قضية الشهر: اغتيال أسَامَة بْن لادِنْ وتداعياته على القرن الأفريقي

21 May

غتيال أسَامَة بْن لا دِنْ وتداعياته على القرن الأفريقي (50)

1- تمهيد

بادئ ذي بدء وقبل أن نتظرق إلى عمق تقريرنا هذا حول مقتل أسامة بن لادن وتداعياته على القرن الأفريقي، الذي كان حلقة مهمة في استهداف وقتل عدد من المطلوبين لدى أمريكا، ينبغي علينا أن نعيد الذاكرة ولو قليلاً حول نشوء تنظيم القاعدة في القرن الأفريقي، وممثلوه الذين انتهجوا أساليب (القاعدة) وكرسوا أبجدياتها وأيديولوجياتها على حياتهم لمحو من يشكل عائقا أمام «جهادهم» المحلي.

وسنحاول – في هذا التقرير – إلقاء الضوء على جوانب مهمة حول ممثلي القاعدة في القرن الأفريقي من حيث تشكيلتهم وتركيبتهم، وطبيعة ملامحهم السياسية وأيديولوجياتهم، وعلاقتهم مع القوى الإسلامية الأخرى سواء تلك التى يقض هؤلاء مضاجعها في الوقت الراهن أو التى تتبادل معها حرباً كلاميةً وبأشد اللهجات والخطابات.
ومن خلال هذا التقرير نحاول استكشاف إمكانية صعود وأفول نجوم «حركة الشباب المجاهدين» بعد مقتل بن لادن، وانعكاساته على الأزمة الصومالية التى أشرفت على عقدها الثالث على التوالي.

2- لمحة تاريخية[1]

بعد عام 1996م أصبحت الصومال مرتعاً خصباً لتنظيم القاعدة، وكانت المنطقة تستقطب عدداً كبيراً من رؤساء تنظيم القاعدة وعلى رأسهم أسامة بن لادن بعد أن أجبرته الحكومة السودانية على الرحيل من السودان عام 1996م فاتجه أسامة إلى منطقة القرن الأفريقي من أجل إحباط المساعي الأمريكية فى القرن الأفريقي المتمثلة في الهيمنة والسيطرة عليه، وكانت المنطقة تترنح وقتها بفعل الحروب التى كانت تندلع بين القبائل الصومالية من جهة والقتال المستعر بين الحركات الإسلامية (الاتحاد الإسلامي) واثيوبيا من جهة ثانية التى يعتبرها الإسلاميون ذراعا لصليبيي الغرب في القرن الأفريقي.

ويرى بعض المراقبين في شأن الحركات الإسلامية في القرن الأفريقي أن لجوء تنظيم القاعدة إلى القرن الأفريقي كمعقل يشن هجماته ضد الغرب فيها، جاء عقب انتهاء الحرب الباردة أي بداية عام 1990، وبعد أعقاب سقوط الحكومة المركزية في الصومال عام 1991، وبداية عصر الفوضى في القرن الأفريقي، وتقهقر كافة الإرادات السياسية وإجهاض كل المؤتمرات السياسية لحل الأزمة الصومالية. بالإضافة إلى ذلك فإن بعضاً من أنصار القاعدة انخرطوا في الحرب الدائرة في الصومال، بين قوات اليونيصوم ومليشيات الجبهات الصومالية المعارضة للوجود الأمريكي في الصومال، إلا أن حضور تنظيم القاعدة في المشهد السياسي والعسكري آنذاك لم يكن بارزاً، بل كانت أعماله وأنشطته تتم بالسرية، كما كان يدير العلميات العسكرية والتفجيرات التى استهدفت المدرعات الأمريكية.

وفى عام 1998م تم تنفيد تفجيرين فى دار السلام ونيروبي ضد السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، وقد كانت هذه التفجيرات العملية الأهم التى نفذها تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي، فقد ألحقت التفجيرات خسائر فادحة بالولايات المتحدة، وتقول مصادر: إن صالح النبهان وناجح فضل شاركا في التنفيذ بمساعدة وتخطيط من أبي حفص المصري، وإن ناجح فضل نفذ بنفسه تفجير فندق الفردوس «Paradise” القريب من منتجع مومباسا الساحلي في كينيا بمساعدة النبهان، وأسفر الهجوم حينها عن مقتل 15 شخصا بينهم إسرائيليون، بالتزامن مع هجوم فاشل على طائرة العال إسرائيلية كانت تغادر مطار مومباسا بكينيا نوفمبر 2002.[2] وهذا مما زاد ضغينة أمريكا على الصومال، وقامت بنشر مخابراتها فى أديس أبابا لصد هجمات الإسلاميين فى القرن الأفريقي واصطيادهم ابضاً وعدم زعزعة الأمن القومي فى الدول الواقعة في شرق أفريقيا.

وبعد حادثة 11 سبتمبر عام 2001م والتى استهدفت مركز التجارة العالمية فى نيويورك، وهو الحدث الذي أبرز سلوك القاعدة وأيديولوجياته ضد الغرب .. تدفق مئات من مقاتلي القاعدة إلى الصومال بعدما تعرضوا لضربات عسكرية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية التى شنت غارة على أفغانستان التى كانت تحت سيطرة تنظيم القاعدة . وبالرغم من أن المحاكم الإسلامية بدأت منذ بدايات الحرب الأهلية في الصومال إلا أنها كانت بين مد وجزر إلى صيف عام 2003 م بعد نهاية فترة رئاسة عبدالقاسم صلاد حسن حيث ظهرت إلى العلن قوة المحاكم الإسلامية، لكن تأثيرها العسكري والسياسي أصبح قوياً في عام 200٦، وخاصة بعدما اكتسحت مليشيات أمراء الحرب الذين أعلنوا حملة ضد من وصفوهم بالإرهاب المتواجد في القرن الأفريقي.

وفى فترة حكم المحاكم الإسلامية للمناطق الجنوبية من الصومال كان أنصار من تنظيم القاعدة يتسترون تحت جناح المحاكم الإسلامية، وبدأوا يصدرون الأومر تلقائياً واحداً تلو الأخر و ذاع صيتهم فى كل مكان.

وكانت حركة الشباب المجاهدين بمثابة الجناح العسكري للمحاكم الإسلامية فى الصومال وكان عدد أنصار الحركة آخذا فى الازدياد بعد عدة شهور من نظام المحاكم فى البلاد.
وبعد هزيمة المحاكم الإسلامية أواخر عام 2006م و التوغل الإثيوبي الغاشم في الصومال فى 28/12/2006م لاذت عناصر المحاكم الإسلامية إلى الفرار وباتجاه معسكر رأس كمبوني (جنوبي الصومال) لتستعيد عافيتها من جديد منتصف عام 2007م بعد أن دربت أعدادا هائلة من أنصارها، إلا أن حركة الشباب المجاهدين أعلنت انفصالها عن المحاكم الإسلامية بدعوى أن قيادتها تحالفت مع علمانيين فى مؤتمر أسمرة فى عام 2007م.

وشنت المقاومة الإسلامية بما فيها حركة الشباب حملة عسكرية ضد حكومة عبدالله يوسف والقوات الإثيوبية فى الصومال مستخدمة الهجمات العسكرية على مقار الحكومة الانتقالية والتفجيرات الناتجة عن زرع الالغام على الشوارع الرئيسية، وقصف المراكز العسكرية، وحققت حركة الشباب نجاحاً ملموساً فى الميدان العسكري واستولت على عدد من المناطق الجنوبية من الصومال ذات الثروة الاقتصادية الهائلة كمدينة كسمايو الاستراتيجية التى تبعد عن مقديشو 500 كلم جنوباً التى تتمتع بميناءٍ ومطار إقليميين مهمين مما يبرز استراتيجية المنطقة.

وبعد حرب وادي سوات جنوب باكستان فى منطقة وزيرستان عام 2009 فر معظم مقاتلي طالبان باكستان إلى اليمن والصومال حسبما صرح وزير الخارجية الباكستاني لاذاعة بي بي سي حبنذاك.

2.1- ممثلو القاعدة في القرن الأفريقي

تعتبر حركة الشباب المجاهدين الفصيل الوحيد المعارض للحكومة الانتقالية في الصومال، بالإضافة إلى كونها ممثلة القاعدة في القرن الأفريقي على الأقل من حيث أيديولوجيتها، ويظهر ذلك في سلوكها وتعاملها مع الأنظمة السائدة في المنطقة، باعتبار أنها أنظمة خارجة عن نطاق الشريعة الإسلامية، وتتحاكم بالدساتير الوضعية التى تتعارض مع الشريعة الإسلامية، وهذا جزء أصيل من السلوكيات التى تنتهجها القاعدة في تعاملها مع الدول العربية التى تعتبرها عميلة للغرب وتهلث ورءاه.

وفي الـ 18 من مارس عام 2008 صنفت أمريكا حركة الشباب المجاهدين بأنها منظمة ارهابية، وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية أنذاك كونداليزا رايس في المذكرة التى تم نشرها في السجل الاتحادي للحكومة الأمريكية «إننى أعلن بموجب هذه الوثيقة أن الحركة بكامل أسمائها منظمة إرهابية أجنبية»[3].

وأن هذا الادراج الأمريكي زاد من هجمات الشباب المجاهدين على القوات الاثيوبية والحكومية، بل وزاد اصرارها على ثقافتها وأيديولوجيتها، بصرف النظر عن كل الدواعي والمناشدات العالمية نحو حل الأمور العالقة بشكل سلمي، إلا أن الحركة كانت ترى أن السبيل الوحيد من الخلاص من براثن الاحتلال الاثيوبي كان يكمن فقط في استخدام القوة وحد السيف.

كما أن تصنيفها كمنظمة إرهابية لم يشكل تخبطاً في هيكلها الاداري أو تضاءل في شعبيتها، فأصدرت حركة الشباب في الـ 5 من أبريل عام 2008 بياناً نشر في معظم المواقع الجهادية في الشبكة العنكبوتية، بعنوان (جهادنا محمود)، وقالت الحركة فيه «إن جهادها محمود، وأن القرار الأمريكي على جعلنا منظمة إرهابية يظهر مدى الحماقة الأمريكية التى عهدناها من قبل، وأن هذا التصنيف يدل على صحة المنهج الذي نستمد منه أصوليتنا التى تقض مضاجع الغرب.”

ولم تكتف الحركة بإصدار هذا البيان فحسب، بل استخدمت الوسائل الإعلامية للثناء على جهادها، حيث تحدث أبومنصور روبو لوسائل الإعلام المحلية، معرباً عن سعادته البالغة لضمهم إلى خانة المنظمات الإرهابية في العالم.

وفي مطلع عام 2010 أعلنت حركة الشباب المجاهدين أنها تحالفت مع تنظيم القاعدة، وأشارت في بيان لها إلى أن الجهاد المتواصل في المنطقة جزء من الجهاد العالمي الذي ينفذه مجاهدو تنظيم القاعدة.

وذكر الشيخ فؤاد شنغلي أن «قراراتنا تتضمن إطلاق الجهاد في القرن الأفريقي، بهدف تحرير المجتمعات الإسلامية وربط جهادنا بالجهاد العالمي (تنظيم القاعد).”
وهذا القرار الذي تبنته حركة الشباب المجاهدين في عام 2010 أثار حفيظة دولٍ عديدة في الغرب، حيث أن الحركة في السابق لم تكن تعلن صلتها بتنظيم القاعدة، إلا انها تجرأت بعد ذلك التاريخ بإعلان ذلك بالقول الصريح بأنها جناح القاعدة في القرن الأفريقي.

وسارعت بريطانيا في أواخر عام 2010 إلى إصدار قرار يفرض حظراً على حركة الشبابالمجاهدين، إلا أنه كان ينطبق فقط على الشخصيات الرئيسة منها، حيث يقضى بعدم لجوء الشخصيات البارزة من الحركة إلى بريطانياً مستقبلاً، باعتبار أنهم إرهابيون يشكلون حجر عثرة أمام المصالح الغربية في القرن الأفريقي، كما طال الحظر البريطاني تجميد أرصدة هذه الشخصيات، وإحباط مساعى جمع الأمول الهائلة التى كانت تذهب إلى جيوب حركة الشبابالصومالية التى أطلقت نفسها على حركة الشباب المجاهدين، وفرضت على الاعلام المحلي عام 2009 تداول هذا الاسم بدلاً من الشباب الصومالية أو قوى المقاومة.

وفي أغسطس من عام 2010 أدرجت كندا أيضاً حركة الشباب المجاهدين في قائمة التنظيمات الإرهابية في العالم،وهو قرار مماثل الذي انتهجته كل من أمريكا وبريطانياً . و قررت أستراليا أيضاً إدراج حركة الشباب المجاهدين الصومالية بلائحة ما تعتبرها منظمات إرهابية، وقد وقع القرار وزير الخارجية الأسترالي (ستيفن سميث) بعد اتهام خمسة رجال مرتبطين بالحركة بالإعداد لهجوم انتحاري على ثكنة عسكرية في أستراليا.

3- القاعدة في القرن الأفريقي: التنظيم أم الايديولوجيا ؟!

3.1 – الايديولوجية

تنبثق أيديولوجية حركة الشباب المجاهدين ( تنظيم القاعدة ) عن كونها منظومة سلفية تضم في جنباتها عدداً من أنصار و مريدي قدامى الحركات السلفية في الصومال، وخاصة تلك التى انشقت عن رحم حركة الاتحاد الاسلامي التى يعتبر أنها سادت قرابة عقد من الزمن في القرن الأفريقي.

والطابع الذي يغلب على حركة الشباب هو التشدد في مواقفها واتجاهاتها السياسية، بالاضافة إلى تطرفها الديني بخلاف الحركات الإسلامية في المنطقة التى تتصف بـ»الوسطية»، وذلك أمر يستشعره العديد من المراقبين عن قرب، فالخطاب السياسي الراديكالي الذي تتبناه حركة الشباب هو الذي يبرز أيديولوجيتها ورؤيتها على المشهد السياسي في الصومال، حيث أن طابع اللاتمييع في المواقف وعدم الموازنة بين الأمور في بعض الأحيان ومايعقبها من أحداث فكرية أو سياسية هي التى تسيطر علي أيديولوجيتها.

كما أن أيديولوجية حركة الشباب ومدى تشددها في مواقفها الجهادية ضد التيارات التى تصفها بأنه ناقضة للشريعة الإسلامية، يظهر في تسجيلاتها السمعية والمرئية، ومن خلال خطابات قادتها الدينية في المساجد والمناسبات وتصريحاتهم السياسية عبر الاعلام المحلي، ويصبح تأثير هذه الخطابات السياسية والدينية قوية عندما تذاع عبر الإذاعات المحلية التى تديرها الحركة بشكل مباشر أو بأخر، و ما تسعى إليه الحركة من أهداف ليس قابلة للتمايل مع أنغام الطبيعة السياسية أو الدينية، بل أن هذه المنطلقات الأيديولوجية راسخة في عقيدة من ينتسب لحركة الشباب.

وعلاوة على ذلك، فإن «الشباب المجاهدين» تنظر إلى بقية الحركات الصومالية بتياراتها السلفية والإخوانية من زاوية معاكسة لها، كونها تأخرت عن الجهاد المشروع ضد من تصفها بـ»المرتدين، والصليبيين، والقبوريين»، وهذا الأمر جعل القطيعة بينها وبين بقية «الإسلاميين» عميقة الجذور، ويبعدها عن الأطراف الإسلامية من حيث اتجاهاتهم الفكرية ونظرتهم إلى الواقع الراهن كل البعد.

لكن مالا شك فيه أن حركة الشباب المجاهدين هي التى استفزت مشاعر الأخرين (الحركات الإسلامية)، وخاصة عندما يتعلق الأمر في تعاملها الخشن مع الطرق الصوفية التى لها نصيب الأسد من الفضل في نشر الاسلام وتعاليمه في ربوع القرن الأفريقي، حيث أن حركة الشباب نبشت أضرحة علماء صوفيين مقامة في عدد من أحياء مقديشو وعدد من المدن الجنوبية المشهورة مثل براوة وكسمايو وبارطيره، ومناطق أخرى في الأقاليم الوسطى من الصومال، وهو ما اضطر الطرق الصوفية إلى حمل السلاح وانخراطها في صف القتال الدائر بين الصوماليين على مختلف ايديولوجياتهم وأفكارهم بعد أن كانوا بعيدين عنها طوال العقدين الماضيين من الحرب الأهلية.

ولم تكن هذه الأدبيات التى تتبناها «الشباب المجاهدين» تقودها إلى القتال مع نقيضها الفكري «الصوفية» فحسب، بل امتدت ألسنة لهيبها إلى ما هو أقرب إليهم من حيث المشرب الثقافي والفكري لتنال هذه الايديولوجية من بعض الحركات السلفية الأخرى، وخاصة تلك التى اعتبرت القتال الدائر في الصومال حاليا بين الشباب المجاهدين من جهة والحكومة الانتقالية من جهة ثانية «حرب فتنة» كشرت عن أنيابها في الأزمة الصومالية.

وعلى إثر ذلك شنت حركة الشباب هجوماً لاذعا على الحركات السلفية التى تبطل مشروعها الجهادي، ووصفتهم بأنهم «علماء السوء «، باعتبار أنهم تخلفوا عن الجهاد في القرن الأفريقي.

إذا المحصلة هي أن حركة الشباب باتت تخوض حرب الأفكار مع من شربت معه الفكر السلفي من منبع واحد، فضلاً عن الطرق الصوفية وماتبقى من بقية الحركات الإسلامية الأخرى، وهذه الايديولوجية وماتحويه من أفكار ورؤى فرضت قطيعة قوية بين الحركات الإسلامية وحركة الشباب من جهة وبين الحكومة الانتقالية من جهة أخرى.

3.2 – التنظيم الحركي

ماهو لافت للنظر أن التنظيم الحركي (للشباب المجاهدين) تركيبة من نوع أخر، وليست من تلك التركيبات الحركية التى اعتدناها سابقاً أو التى نراها عند الحركات الإسلامية الأخرى، حيث أن في تركيبتها خلطة أو تركيبة سرية، والتى باتت كفلية لجعل الحركة قوية في هيكلها الإداري ومتماسكة الجذور على مايبدو، دون أن تتعرض للهزات العسكرية التى تضربها من كل حدب وصوب، وليس يعنى هذا أن التنظيم الحركي للشباب المجاهدين مشابه أو مماثل للقاعدة، حيث أن السمة التى تشكل قاسما مشتركا فيما بينهما تكمن في الأيديولوجية والمنبع الفكري فقط، أما فيما يتعلق بالهيكل التنظيمي فهناك بون شاسع.

فالتنظيم الحركي لدى الشباب المجاهدين مخالف للتركيبات الأخرى التى تتشكل بها الحركات الإسلامية الأخرى، وهو ما أعطى الحركة قدراً من التأييد الشعبي، وإن كان تتضاءل نسبته في الآونة الأخيرة، إلى جانب تأثير الحركة في الجانب السياسي والأمنى على المشهد السياسي الساخن في البلاد.

وعلى مايبدو للجميع فإن هذا التنظيم قابل للتوسع الإداري من حيث نفوذه وعدد أتباعه (المقاتلين)، حيث أنها تدير حالياً شؤون قرابة تسعة أقاليم على الأقل من أصل ثمانية عشرة أقاليم في عموم الصومال.

وفيما يلي نوجز الهيكل التنظيمي لحركة الشباب المجاهدين:
١- الأمير العام
٢- ولاة الأقاليم
٣- رئيس الدائرة السياسية
٤- الناطق الرسمي
٥- الناطق باسم العمليات العسكرية
٦- المكاتب الادارية
أ- مكتب الدعوة
ب ـ مكتب الاعلام
ج – مكتب الصحة
كما أن لحركة الشباب المجاهدين لجانا أخرى تتشكل وقت الحاجة مثل «لجنة الطوارئ».
٧- القوة العسكرية .
أ- القوات القتالية (الجيش)
ب- القوة الأمنية (الجهاز الاستخباراتي)
ج – الحِسبة (الشرطة)

وهذا مستخلص عما تتناوله ـ ولاتزال ـ العديد من وسائل الاعلام المحلية في نشراتها الإخبارية من تسميات تنظيمية، ويبقى الهيكل التنظيمي المعتمد لدى الحركة رسميا غير معروف، وهذه التشكيل الذي ذكرنا آنفاً إنما هو يعبر.

4- القاعدة في القرن الأفريقي: الأفكار والأتباع

4.1- المنطلقات والأفكار

نحاول في هذا الصدد إلقاء الضوء على المنطلقات والأفكار التى تعتقدها الحركة، كعامل لجذب واستقطاب أتباعها في الصومال، إلى جانب حرصها الشديد على هذه الأفكار والمنطلقات كحصون آمنة لعدم التسرب الفكري لأتباعها، حيث تزودهم بكم هائل من الافكار والمنهجية التى تسير عليها، وهو مايجعل أنصار الحركة، من مقاتليها وقيادييها منفكين ومنغلقين عن قطاع عريض من الشعب الصومالي.

وتظل الحركة تبث أفكارها على نفوس مؤيديها خلال التدريبات العسكرية، حيث أنها تقوم بتجسيد هذه الأفكار وترسيخها في أذهان مقاتليها، ومن ثم يتم تدريبهم وتفصيلهم على النحو الذي تريدها.

فالأفكار السائدة عند حركة الشباب والتى تظهر إلى العلن خلال خطاباتهم للشعب الصومالي تتمثل في أنها ترى نفسها أنها تمارس جهاداً محموداً ضد الحكومة الانتقالية، ولجأت إلى عنصر القوة في سبيل الخلاص منها، وهي فكرة تتبناها الحركة في خطابها مع الحكومة الانتقالية، والتي تنعكس سلبياتها على الشعب الصومالي.

ومما تجذر الاشارة إليه أن الحركة تدعي في كل حين أنها تريد تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال، بدلاً من الدساتير الوضعية التى تتحاكم إليها الحكومة الانتقالية والولايات الإقليمية في الصومال، وهذا هو السبب معارضتها لكافة الأنظمة السائدة في القرن الأفريقي، كما أن فكرها يمتد إلى أبعد من ذلك، وتسعى لتحرير الأقاليم الصومالية المحتلة من قبل إثيوبيا (الصومال الغربي) وكينيا (انفدي )، ولكن لم تتجرأ الحركة بعد في تنفيذ خططها نحو إعادة هذه الأقاليم الصومالية الضائعة من الجسد الصومالي.

أما الحديث عن أتباع حركة الشباب الصومالية فهو حديث يكتنفه الغموض، وإن العدد الحقيقي لأتباعحركة الشباب (القاعدة) غير معروف، إلا أن الاحصائيات تشير إلى أن عدد قواتها يزداد حيناً بعد الأخر تبعاً للتغيرات السياسية التى تحدث على المشهد العسكري في البلاد، كما أن توسعها الإداري يجعل عدد الحركة يقفز من خانة إلى أخرى، وكانت آخر الإحصائيات تشير إلى أن عددها يصل إلى ثمانية آلاف مقاتل من بينهم قرابة مائتين من المقاتلين (الأجانب) الذي تقول الحركة أنهم إخوانهم المهاجرون، كما أن في أعداد حركة الشباب كم هائل من من يصنف في درجة الأطفال، الذين ليس بمقدورهم حمل الأسلحة على أكتافهم النحيلة. وهذه محاولة لكسب المزيد من الأنصار وبشكل خاص الفئة التى تتراوح أعمارهم ما بين 13 إلى 25 عاما، باعتبار أن هذه الفئة يمكن تكوينها فكريا، وليست مرتبطة بالتزامات عائلية أو اهتمامات أخرى تعيق تشكيل قناعاتها الدينية والفكرية، أو تحول دون إتمام بنائها بما يؤهلها لإتمام واجباتها التي تفرضها رؤية التنظيم، من تنفيذ عمليات وهجمات عسكرية وغيرها.[4]

4.2- عوامل الاستقطاب

ويرجع البعض من المراقبين إلى عدة عوامل رئيسية لاستقطات الجموع الغفيرة من الشعب الصومالي، بغية انجرارهم إلى الحرب الدائرة بين الفرقاء الصوماليين، على اعتبار أن أحد الطرفين عميل وخادم للصليبيين، كما يضع الطرف الآخر في مخيلته أنه يجاهد لدينه ووطنه، وهناك جملة من العوامل نوردها في الحقول الآتية : ـ

المنهجية التى تنطلق منها حركة الشباب المجاهدين، وسعيها الحثيث نحو إعادة الامارة الإسلامية في القرن الأفريقي ـ كما تقولها ـ جعل الكثير من الصوماليين يندفعون نحو صف حركة الشبابالمجاهدين، دون تحليل واقعي لمجريات الأمور، ونظرة أفقية بعيدة المدى على أبجديات حركة الشباب .

القتال الذي تشنه الحركة ضد القوات الأفريقية، وماتسوغه من أفكار ورؤى على أنها تحارب قوات صليبية غزت على أهل البلاد، وهو عامل يدفع الصوماليين نحو الانضمام إلى صفها .

طبيعة القوات الأفريقية، التى يغلب عليها طابع العنجهية وانعدام الرحمة للبسطاء، وعدم تمييز المسلح من الأعزل، وهدم البيوت السكنية على رؤوس أصحابها، بصرف النظر عمن هو محارب لها أو من لايستطيع حمل السلاح في وجهها في هذا التوقيت، هذه الطبيعة العدوانية تضغط على الشباب الصومالي إلى أن يقف في وجهها بسلاحه وبسواعده. ويدخل في خندق حركة الشباب بشكل سهل ويسير.

التعاطف الشعبي للشباب المجاهدين، حيث أنها أعادت الأمن إلى المناطق التى تسيطر عليها، فلا أحد يخل بالأمن العام فيها، كما أنها رفعت الظلم من المظلومين وردت المظالم إلى أهلها، ويتحاكم الناس في محاكمها في كل صغيرة وكبيرة، وهذا وجه آخر تستقطب به الحركة أتباعها ومؤيديها.

الأسلوب الإعلامي الذي تخاطب به الحركة جماهيرها، حيث أنها تستخدم كافة وسائل الإعلام من الإذاعات والأشرطة والدوريات الصحفية و الخطب الدينية، و تروج دعايتها في كل وسيلة ممكنة، واستوردت من الخارج الأناشيد الجهادية، كما أنها تقوم بنشر تسجيلات سمعية ومرئية تحتوى على الوقائع والانتصارات العسكرية التى أنجزتها حركة الشباب ضد الحكومة الانتقالية والقوات الأفريقية على كافة الشعب الصومالي، إضافة إلى أنها تعلق الميكروفونات على أعمدة الكهرباء في الشوارع العامة أو تركبها في إحدى سياراتها لتخاطب الجماهير من خلالهما، وهو أمر يزيد أتباعها بلاشك، حيث أن تأثير هذه الخطب الدينية يظهر مدى الاستقبال الشعبي لسماعها، والالتفاف حولها.

نهج الحكومة الانتقالية في تعاملها مع الشعب الصومالي، حيث أنها مشغولة بنفسها، مايشعر مدى عدم اهتمامها بالشعب الصومالي، ومايطمح إليه من تحقيق إنجاز في الواقع الراهن، وتغيير محنته إلى منحة، وتوفير أبسط مستلزمات الحياة، لدرجة أن الشعب يصفها بأنها عديمة الأداء، ولاتستطيع أن تحمى نفسها من ضربات حركة الشباب قبل أن تحمي أمن وسلامة الشعب الصومالي.

5- تداعيات مقتل أسامة

كان مقتل أسامة بن لادن مفاجئاً بقدر ماكان يشكل صدمة نفسية في نفوس المجتمع الصومالي، وخبراً مثيراً استولى على أولويات الأجهزة الإعلامية داخل الصومال كما هو الحال خارج الصومال، وهو ماترك زخماً من الاهتمام الاعلامي على هذه الوسائل حتى في يومنا هذا.

ونحاول أن نستعرض هنا إلى رؤى مختلفة حول مقتل زعيم تنظيم القاعدة وماصاحبه من تأثيرات على كافة الأصعدة داخل الصومال:

5.1- رؤية الإسلاميين (القوى الإسلامية بما فيها الحركات)

نستطيع أن نقول أن الحركات والتنظيمات الإسلامية في الصومال كانت حذرة في التعليق على مقتل بن لادن، الرجل الأهم في تركيبة تنظيم القاعدة الذي امتدت أفرعه إلى كل من الشرق والشمال من القارة السمراء وجنوب آسيا، مؤثراً على الحراك الدولي السياسي والعسكري والاقتصادي في العالم. ولم تبد للعلن سوى تصريحات حركتين تتواجهان عسكريا على الساحة.

5.1.2 – رؤية حركة الشباب

في تصريح رسمي أدلى به على طيري، المتحدث الرسمي لحركة الشباب المجاهدين أكد أن مقتل أسامة بن لادن لن يمر دون عقاب أمريكا، ودعا خلال مؤتمر صحفي عقده في مقديشو «المجاهدين» إلى شن عمليات وهجمات عسكرية على مصالح غربية وحكومية في الإقليم ثأراً لأسامة بن لادن.

وذكر أن دم أسامة بن لادن لن يذهب هدراُ، وأنهم حملوا السلاح كيلا تذهب دماء المجاهدين هدراً ـ بحسب تعبيره ـ، مطالباً بمضاعفة جهودهم للاستمرار في العمل الذي اعتاد عليه واستوفاه الله من أسامة بن لادن.

وأكد على طيري أنهم سوف يسيرون على نهج ودرب الشيخ أسامة بن لادن، ولن يتخلفوا عن الطريق الذي سلكه قبل بضعة عقود من الزمن. من أجل رفع كلمة الله وتطبيق شريعته.

لم يكن هذا التصريح الذي أطلقته حركة الشباب المجاهدين كافياً للتعبر عن رؤيتها حول مقتل زعيم القاعدة، حيث أطلق الشيخ حسن طاهر أويس تصريحاً آخر قال فيه «إن الجهاد باق بعد أسامة بن لادن إلى يوم القيامة» . ورأى أن الجهاد فريضة كتبها الله على المسلمين، وكانت تمارس من قبله، وستكون باقية إلى قيامة الساعة، ودعا في الوقت ذاته المسلمين في العالم إلى عدم الاستسلام وتكثيف العمليات الجهادية.

إذاً فرؤية الحركة تنبثق من هذين التصريحين المزدوجين اللذين أطلقهما كل من على طيري وحسن طاهر أويس، حيث أن تصريحاتهما صبت في اتجاه واحد، ويمكن تلخيصها في البندين التاليين.

دعوتهما للعالم الاسلامي بصفة عامة، وبشكل خاص الشعب القاطن في القرن الأفريقي إلى عدم الشعور بالاستكانة والاحباط، وانكسار النية من العمليات الجهادية في القرن، ومحاربة من يعتقدونهم بأنهم عملاء صليبيين يجب محاربتهم ودحر نفوذهم، وطرد شريف أحمد وزمرته من الصومال على الأقل، ومحاكمته أمام محكمة إسلامية لإنزال أقصى العقوبات عليه، نتيجة انضمامه إلى صف العلمانيين القوميين واختلاطه بالمرتدين والصليبيين.

أن «إرهابهم المحمود» لن يتأثر بمقتل أسامة بن لادن، كما يراهن البعض، وأن أجله انتهى، وموته لن يؤثر على عملياتهم الجهادية قيد أنملة، بل إنهم سيضاعفون عملياتهم العسكرية ضد الحكومة الانتقالية ومن يساندها من الدول الأفريقية وخصوصاً تلك التى تقع على مقربة من الصومال (إثيوبيا وكينيا).

ويرى المراقبون أن حركة الشباب ربما تنجح في تنفيذ عمليات عسكرية أو هجمات شرسة ضد أهداف حكومية في مقديشو، وأهداف بعيدة المدى على القرن الأفريقي، والتفجيرات التى شهدتها كمبالا في يوليو عام 2010 ليست ببعيدة عنا.

5.1.3 – الطرق الصوفية

أما الطرق الصوفية التى أشهرت سيف الحرب في وجه حركة الشباب فإنها شاطرت الفرحة مع أمريكا، ورحبت بمقتل أسامة بن لادن في هذا التوقيت.

وعبر الشيخ سومو (رئيس الطرق الصوفية في اقليم بنادر) عن سروره، حيال مقتل أسامة بن لادن، وذلك خلال مظاهرة حاشدة اجتمع فيها عدد كثيف من الصوماليين، وبعض من المسؤولين المنتسبين للحكومة الانتقالية، ومسؤولون أخرون من الهيئات المدنية والمحلية.

و هذا الأمر ليس مستغرباً لدى العديد من الصوماليين، حيث أن التنظيم الصوفي يستمد قوته وسياسته من الحكومة الانتقالية التى يدعمها الغرب أو إثيوبيا التى تقول أنها تحاول منع تسلل «الإسلاميين» إلى أراضيها، لعدم حدوث بلبلة أمنية في عمقها الاستراتيجي وعدم تزحزح قوتها في القرن الأفريقي.

أما بقية الحركات الإسلامية الأخرى في الصومال، فلزمت الصمت حيال مقتله، ولم تنبس ببنت شفة، ولم تعبر لا عن أسف أو عن فرح عن طريق البيانات كما تعودت أن تفعل في كل أمر جلل أو عبر التصريحات في الإعلام المحلي.

5.1.4 – رؤية السياسيين والمحللين

تفاوتت أراء المحللين السياسيين حول قدرة الشباب المجاهدين على البقاء في حلبة الصراع السياسي دون أن تؤثر عليها هذه الموجات العاتية القادمة من جنوب آسيا من التأثيرات ذات الزخم العالمي والتى ربما قلبت نظام القاعدة من حيث هيكله التنظيمي رأسا على عقب، بعد أفول نجم «الايقونة» أو الرمز الشهير أسامة بن لادن مطلع شهر مايو.

يقول محمد عمر الكاتب بشؤون الحركات الإسلامية «إن مقتل ابن لادن لا يشكل السبب الرئيسي في فقدان القاعدة بريقها ولمعانها في القرن الإفريقي، لكن من المرجح أن يبقى أحد تلك العوامل، لأنه كلما طال أمد الصراع ولم تنجح حركة الشباب في حسم الصراع مع الحكومة والقوات الإفريقية، فإن ذلك سيصب لصالح الحكومة الانتقالية، وعلى العكس تماماً”.

ويتابع قائلاً: أعتقد أن التداعيات السياسية ستكون نتيجة لتحول ميزان القوة العسكرية. وأعتقد أنه إذا نجحت القوات المتحالفة (القوات الحكومية والقوات الأفريقية) في إزاحة حركة الشباب من إقليمي جوبا وباي وإقليم بكول فإن تحولات سياسية ستمهد الطريق لنهاية حركة الشباب.

ويشير محمد عمر إلى حتمية اندلاع ثورة قبلية في وجه حركة الشباب المجاهدين إذا تم إخلاؤها من إقليمي جدو وجوبا السفلى، وخاصة تلك القبائل التى تقطن في إقليمي باي وبكول. ويضيف إلى ذلك: «إن قوى جديدة ومعارضات قائمة على شكل قبائل والإدارات التي تزعم أنها جزء من (النظام الفيدرالي) ستبرز من جديد في مناطق الجنوب من الصومال، مايجعل مسلسل الخلافات والانشقاقات بين الصوماليين لا يقارب نهايته بعد.

أما الباحث الصومالي أنور أحمد ميو فيتطرق إلى زاوية أخرى، حيث يرى أن مقتل بن لادن قد يشكل أحد أسباب ضعف حركة الشباب، غير أن الضعف الطبيعي هو العامل الرئيس لأفول الحركة وانحسارها بشكل تدريجي في الأمد القريب، ولا بد أن يكون هذا الضعف تدريجيا بمرور الزمن، بحيث تخسر الحركة موارد بشرية هائلة في حروبها المستمرة مع الحكومة الانتقالية وبقية التنظيمات الحركية والولايات الإقليمية الأخرى في الصومال.

ويتابع : في حيال استمرار هذا السيناريو والنهج العسكري الذي تفضل الشباب المجاهدين باستمراره، فإنه يجلب لها ضعفاً في اقتصادياتها ومواردها المالية؛ بحيث تنفقها على المجهود الحربي، وتخسر أيضا الدعم الشعبي. ويرجح أن مقتل أسامة بن لادن ليس إلا واحدا من العوامل الطبيعية التى توحي بانحسار نفوذ حركة الشباب وتنذر بأفولها.
ومن وجهة نظر مخالفة يقول حسن محمد الكاتب الصومالي «إن مقتل أسامة بن لادن ستظهر انعكاساته على الهيكل الحركي والقيادي لتنظيم الشباب المجاهدين، وهذا الأمر مرهون بمدى صدقية وجود علاقة وطيدة بين حركة الشباب من جهة وتنظيم القاعدة من جهة أخرى».

ويتابع : «إذا كان الأمر يتعلق بمجرد عاطفة حركية وليس وجود روابط أصلية بين الجانبين فإن حركة الشباب لن تتأثر برحيل أسامة بن لادن، لأن من المرجح أنها هي التى تدعم نفسها بنفسها، دون أن تنتظر دعماً مالياً أو عسكرياً من أي جهة أخرى، فيكون الأمر في هذا الوقت محدداً فقط في الترابط الايديولوجي بين حركة الشباب وتنظيم القاعدة”.
ويرى البعض من المحللين أن تنظيم القاعدة كان في الآونة الأخيرة يعاني من ضربات أمريكية قوية أكثر من أي مكان، لدرجة أن الاتصال الاستخباراتي والحركي فيما بينهم بات شبه مقطوع ـ إن لم يكن معدوماً ـ وهذا بسبب دخول التنظيم إلى مرحلة جديدة من الصراع المفتوح في العالم في عقدها الثاني، وموت أسامة بن لادن سيكلف التنظيم برمته أعباء ثقيله إلى جانب أن الزعيم الراحل خلف وراءه تركة ثقيلة لمن يتسلم المهام الإدارية العليا من القاعدة، والتى يرجح البعض أن إدارة تنظيم القاعدة ستكون في أيدي من تنحدر أصولهم من أفريقيا، فهي ستؤول إما إلى نصيب الشيخ أيمن الظواهري المصري أو أبو يحي الليبي.

5.2 – أفول أم صعود؟

ومن وجهة نظره يقول محمد عمر مرة ثانية «بعد مقتل ابن لادن لا نتوقع صعودا لحركة الشباببل العكس لكن هذا الأفول لا يأتي بشكل مفاجئ أو طارئ لأن أتباع القاعدة في القرن الأفريقي سيحاولون الظهور بمظهر القوي المتماسك .. بغية عدم انكشاف الغطاء الحقيقي عن ضعفهم التركيبي والحركي في الميادين.

وفيما يلي نعرض أبرز محددات ومؤشرات هذا الانحدار الوشيك والمستنقع الخطير الذي تتهاوى به حركة الشباب المجاهدين التى أكملت عامها الرابع على التوالي.

5.2.1 – طول أمد الصراع مع القوات الإفريقية.

مع تزايد الحرب الدائرة بين حركة الشباب من جهة والقوات الحكومية والأفريقية من جهة، فإن ذلك يعنى أن حركة الشباب تخوض صراعاً مريراً مع من يستمد قوته من المجتمع الدولي الذي يدعم الحكومة الانتقالية بكل غال وثمين، من أجل محو حركة الشباب المصنفة بـ»الارهاب «، وفي الوقت ذاته، فإن حركة الشباب تعتمد على الأموال التى تجبيها من التجار الصوماليين طوعاً أو كرها. فإن امتداد هذا الصراع إلى أجل غير مسمى سيجعل الحركة تفقد وزناً عسكرياً كبيرا، إذا لم تحسم الحرب في القرن الأفريقي سريعاً لصالحها.

5.2.2 – توقف الدعم الذي يعتقد أنها تتلقاه من مناصري القاعدة في العالم.

يرى المراقبون أن حركة الشباب من المتوقع أن تفقد الدعم الذي يُعتقد أنها تتلقاه من قبل مناصري القاعدة في العالم، إذا أن غياب «الأب الروحي» لتنظيم القاعدة، سيشكل تأثيراً سلبيا عليها في المستقبل القريب أو البعيد.

5.2.3 – نضوب منابع الدعم الداخلي.

مع استمرار الحظر المفروض على عدم اللجوء إلى الموانئ والمرافئ التى تقع تحت سيطرة حركة الشباب، فإن هذا الأمر سيخفض الميزانية المالية لحركة الشباب، ويعنى هذا نضوب منابع الدعم المالي الداخلي لتنظيم الشباب.

5.2.4 – حدوث تحول في موقف بعض القبائل الصومالية

يمكن أن يحدث هذا التحول للقبائل الحاضنة لحركة الشباب كما حدث مع قبائل (المريحان والأجادين) في إقليمي جوبا وجدو وقد يتكرر هذا السيناريو الجديد نفسه الذي يعتبر من أفرازات الواقع الصومالي في موقف قبائل دجل ومرفلي (إقليم باي وبكول) تجاه حركة الشباب.

5.3- التأثير قريب المدى (التبعات الراهنة)

نحاول في هذا الصدد تسليط الأضواء على الانعكاسات والتبعات الراهنة التى تفرض نفسها بقوة على المشهد الصومالي، وخاصة تلك التى ستظهر على حركة الشباب المجاهدين، وهذه التداعيات ستكون تبعاتها تظهر على الصعيدين السياسي والأمنى في القرن الأفريقي، وهي تبعات لم يفرزها الواقع الصومالي فحسب، بل أن تاثيراته طارئة ودخيلة عليه.

5.3.1- تهديدات حركة الشباب

هددت حركة الشباب المجاهدين بأنها سوف تقوم بعمليات عسكرية واسعة النطاق في عمق المناطق التى تسيطر عليها الحكومة الاتنقالية، إلى جانب توجيه ضربات عسكرية للقوات الأفريقية، من أجل الانتقام لأسامة بن لادن.

وما يؤكد إصرار الشباب المجاهدين على تنفيذ هجماتها العسكرية هو سعيها الحثيث في الآونة الأخيرة إلى جمع أموال وأسحلة بمختلف أحجامها، وذلك عن طريق فرض الضرائب على الشعب القاطن في المناطق التى تسيطر عليها أو عن طريق التبرع الذي تجده الحركة من بعض المتعاطفين والمتحمسين لها.

ففي مطلع شهر مايو الجاري، استلمت حركة الشباب مقادير مالية إلى جانب استحواذها على ما يقارب مائة أسلحة من نوع أكي 47 من أيدي التجار الصوماليين، وهذا دليل على أن حركة الشبابمصرة على تنفيذ وعودها، وليس الأمر مجرد تهديد لفظي للتأثير على معنويات القوات الحكومية فقط.

5.3.2 – حالة التأهب القصوى

رفعت الحكومة الصومالية بعد تصفية بن لادن درجة استعدادها العسكري إلى حالة التأهب القصوى، وذلك بعد جلسة اجتمع فيها مجلس الوزراء الصومالي وصرح المتحدث باسم الشرطة الصومالية العقيد عبدالله حسن بريسى أن الأجهزة الأمنية في الحكومة الانتقالية قد رفعت درجة الاستعداد إلى حالة التأهب القصوى، تحسباً لحدوث انفجارات لاتحمد عقباها.[5]

ويبدو من هذا المنظور الاعلامي الحكومي الذي أطلقه (بريسى) مدى الهلع الحكومي الذي وصل إلى أقصى مداه، حيث أن الحكومة الانتقالية تبدو هشة وضعيفة من حيث قواتها الأمنية وجيشها، لأن التفجيرات العسكرية التى تنفذها الشباب المجاهدين لايقاومها رادع أمنى يحول دون وقوعها، بل إن عناصر من داخل الحكومة الانتقالية ربما يساهمون في تنفيذ تلك الخطط الجهنمية.

5.3.3 – خوف اقليمي

أما اقليمياً وخاصة تلك الدول المجاورة للصومال، فإنهم عبأوا جيوشهم نحو مناطق الحدود تحسباً لخرق أمنى طارئ من قبل الحدود المتأخمة مع (الصومال)، فكينيا حركت جيوشها إلى قرب الحدود، وظلت هذه القوات تراقب المناطق الكينية القريبة من التى تسيطر عليها حركة الشبابالمطلة على الشريط الحدودي بين البلدين، إلا ان هذه القوات الكينية الجرارة قد أعيدت إلى مقارها العسكرية بعد أن تبدد الخوف من حدوث تفجيرات عسكرية في مناطقها الحدودية، ولم تكن كينيا هي الأخرى بمنأى عن التفجيرات التى تشهدها الصومال، حيث أنها شهدت تفجيراً عنيفاً في غضون عام2010 المنصرم.

5.4- التأثير البعيد المدى (التبعات المستقبلية)

5.4.1- الشباب المجاهد والمستقبل المجهول

ليس من السهل التكهن بما ستؤول اليه الأمور في المستقبل القريب، وخاصة حول مستقبل حركة الشباب المجاهدين، حيث أنها باتت تحارب الحكومة الانتقالية لمدة عامين، دون أن تحقق انتصاراً كبيراً يزيل الحكومة الانتقالية من الوجود كلياَ، ولا أن تجبر القوات الأفريقية على الانسحاب من البلاد، كما أنها لاتستطيع أن تحرز انتصاراً في وجه المليشيات الصوفية في إقليم جلجدود الذي يشكل حاجزا منيعاً يحول بينها وبين أن تصل أقدامها إلى شرق وشمال الصومال.

فالواضح للعيان أن الشباب المجاهدين تخوض صراعاً مثلثاً مع من يشكلون تحالفاً قوياً في وجهها، إضافة إلى أن هناك ولايات أخرى في وسط الصومال استلت السيف من غمده وخصوصاً على وجهحركة الشباب، مايزيد عدد الجبهات القتالية المفتوحة أمامها، وهو ماسيضعف قوة حركة الشبابالمجاهدين في التخلص من هذه الأنظمة التى تراها بأنها فاسدة.

فالسؤال الذي يتساءله العديد هو : كيف تستطيع الحركة مواجهة كل هذه التنظيمات المعادية لها المتمثلة في (الحكومة الانتقالية، الصوفية، ولاية حوض شبيلى، حركة راس كمبوني، القوات الأفريقية)؟، مما يعنى أنها تواجه قوة اجتمعت وتداعت عليها، وليس بمقدورها تقسيم أعداد جيوشها إلى حماية كافة مناطقها، فإذا أعدت حرباً شرسة على منطقة من الجنوب لاستعادتها، فإن منطقة أخرى ستفلت من يدها ـ وهكذ دواليك ـ، وهذا القتال المرير سيكلف الحركة الكثير من الجهد والأنفس والمال والذي يبدو أنه غير متوفر إلى ما لا نهاية.

وهذا الصراع غير المنتهي الذي تخوضه الحركة لن يتوقف ولن توقفه هدنة سلمية مادامت كل الطرق الدبلوماسية وصلت إلى طريق مسدود، وهذا قد يبخر كل المجهودات العسكرية الذي تبذلها حركة الشباب المجاهدين مستقبلاً، وهو ماسيجعل مصيرها نحو التلاشي والانحطاط أسوة بالحزب الإسلامي.

المصدر: شبكة الشاهد
 
Leave a comment

Posted by on May 21, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: