RSS

لماذا يفشل الإسلاميون؟.. (2/2) قراءة نقدية في المنهج والسلوك

08 May

ثانيا: في المذهبية:

8- يفتقر الكثير من الإسلاميين إلى وجود أجندة واضحة؛ وإن وُجدت فهي تختلف غالباً عما يوجد لدى الجماعات الإسلامية الأخرى، فالبعض يعطي الأولوية للتربية والفكر، وآخر يصرف همه إلى السياسة وصراعاتها، وثالث يكتفي بالرياضة الروحية ومجاهدة النفس، ورابع راديكالي جهادي، وكل منهم يرى نفسه على الحق وحده وأن البداية يجب أن تكون على طريقته.

وهذا لا يشكل اختلافاً حميداً بقدر كونه سبباً للفرقة والتشتت مع غياب ثقافة الاختلاف والحوار، إذ لم يسلم من الوقوع في فخ التمذهب الكثيرون ممن قصروا نشاطهم على التربية بعيدًا عن السياسة وصراعاتها، حتى أصبحت الحركة أو الجماعة كياناً يشترط على أتباعه الولاء كما كان البابا يمنح الاعتراف الكنسي Confessions of Faith لمن يحقق له مصالحه (!).

وبدلاً من التوحد حول هدف رئيس وهو تحرير الناس من العبودية لأي سلطة دنيوية – وهي الرسالة التي حملها الصحابة إلى شعوب الأرض – صار التنافس بين الجماعات نفسها شبيهاً بما يجري من منافسات صبيانية بين طلاب مدرسة داخلية! ويزداد الأمر سوءاً عندما تنشق عن كل جماعة عدة جماعات ويخلف كل شيخ عدة تلاميذ يتنافسون على حمل رايته ويدّعون الأولوية في الثبات على نهجه، وهكذا في متوالية هندسية!

9- ينطلق الكثيرون من ضرورة العمل بفهمهم الخاص لقاعدة “الولاء والبراء” المتعارض مع المنهج القرآني: “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، وبما أن الفهم الآخر للإسلام “خاطئ” في منظورهم فهو خارج دائرة الأحلاف (!)

وفي الوقت الذي يتحالف فيه العلمانيون على اختلاف مشاربهم في صف واحد ضد الإسلام، ينطلق الكثير من الإسلاميين من مبدأ “الغاية لا تبرر الوسيلة” لمحاربة الإسلاميين الآخرين لأنهم “أشد خطراً” أو حتى “أعظم كفراً” من اليهود والنصارى والملحدين، وقد يصل الحال ببعضهم إلى رفض المشاركة في حوار تديره إحدى الفضائيات الإسلامية، لكونها منبراً لمذهب أو جماعة مختلفة، بينما لا يمانع من الظهور في قناة علمانية لاعتقاده بأنها “حيادية”!

وهكذا تنصرف معظم الجهود إلى النقد والتحليل والطعن والتسفيه، بينما يضطر الآخر إلى بذل جهده في الدفاع والتبرير، ثم يحتسب كلا الطرفين أجرهما على الله في هذا “الجهاد” الفكري والإعلامي!

مع أن التاريخ الإسلامي مليء بأمثال هذا الصراع التي لم تثمر شيئاً سوى إضعاف الأمة وفتح باب الغزاة من مغول وتتر وصليبيين وإسبان ومستعمرين وصهاينة.

وبنظرة عامة على فضائيات ومواقع المعنيين بهذا النوع من الجدل، يدرك القارئ حجم الطاقات والأموال المُهدرة في ضخ المزيد من الكراهية بين الناس بدلاً من توجيهها لدعوة غير المسلمين أو التصدي لحملات التغريب والعلمنة.

ولعل الصراع السلفي- الشيعي هو أوضح مثال لهذه الظاهرة التي لا تفيد أحداً سوى خصوم الإسلاميين في الداخل والخارج، فمع تأجج الصراع بين الطرفين لم تعد بعض الحركات والأحزاب الإسلامية تتحرج من إعلان ولائها للطائفة أكثر من الإسلام نفسه، وهو ما لمسناه في الحرب الأهلية بين العراقيين الذين اعتادوا على الزواج المختلط بين الشيعة والسنة في ظل الاستبداد العسكري قبل أن يحكم حزب الدعوة الإسلامي المتحالف مع المحتل الأمريكي.

ومن المؤسف أيضا ألا يجد الاحتلال حلاً للفتنة الطائفية التي خرجت عن السيطرة سوى باستبدالها بالعشائرية عبر مجالس الصحوة، وكأن المسلمين انتكسوا إلى جاهليتهم بعد أربعة عشر قرناً!

في مثال آخر، نقرأ هذا الصراع أيضاً في الرسالة المفتوحة من رائد التربية الصحوية الشيخ محمد سرور إلى سعد الحريري الذي استعاد حكم أبيه بأغلبية أصوات مجتمع نشأ منذ قرون على ثقافة الطائفية – العشائرية؛ مهنئاً بسيطرة السنة على الحكم في صراعهم مع الشيعة الذين يراهم فضيلته كفاراً، فالأولوية هنا هي لهزيمة الشيعة حتى لو رفعوا راية المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، وحتى لو كان المنتصر متحالفاً مع الغرب!

وبالرغم من كل جنته الأمة من خزي وفشل جراء هذه العقلية المذهبية؛ يتجدد الانقسام بين الإسلاميين في مصر بعد ثورة 25 يناير، ولم تكتمل سعادة الشعب بالتآلف بين المسيحيين والمسلمين لدحر الطغيان كهدف مشترك، فسرعان ما بدأ الخلاف يدب بين السلفيين وأقرانهم في الساحة الإسلامية نفسها، وانتهز الإعلام العلماني الفرصة لتأجيج الصراع كما كان النظام السابق يفعل دائماً!

1-لا يقتصر الانغلاق على السلفية كما يروّج البعض، فهناك تيارات أخرى ترى في كل تجديد أو خلاف في الفهم انقلابًا وبداية لكارثة ستحدث ولو بعد حين، إذ نلمس – على سبيل المثال – لدى الكثير من دعاة الشام ومصر والمغرب العربي تشبثاً مشابهاً بالتراث الصوفي الأشعري.

وإذا كان التغيير في العادات والتقاليد ذاتها يعد لدى البعض ضرباً من الابتداع في الدين فإن العودة إلى سنة السلف ونبذ البدع هي قرائن لتهمة التخلف والتشدد لدى آخرين!

ومن المؤسف حقاً أن ينقلب الإسلام لدى الكثيرين ممن يحملون رايته إلى أيديولوجيا تقريرية دوغمائية بعد أن كان ديناً فطرياً يهتدي إليه الناس بمجرد تصحيح علاقتهم بالله دون وسيط.

أما اليوم فلم يعد تقديس الأئمة مقتصراً على الشيعة الإمامية والإسماعيلية فحسب، فهناك درجات متفاوتة من الولاء للمشايخ لدى الطرق الصوفية التي تغطي أصقاع العالم الإسلامي، بل أسبلت السلفية التي قامت على تجريد العقيدة من شوائب التوحيد رداء العصمة على مجموع السلف الصالح فلا يصح الخروج عن أحد اجتهاداتهم في كل مسألة، ثم جعلت من ابن تيمية شيخاً للإسلام لتكون كلمته هي الفصل في كل شيء حتى لا يجرؤ أحدهم بعد ثمانية قرون على مراجعة أي من آرائه أو فتاويه.

هذا الانغلاق يعود أصلاً إلى الهبوط بالعقيدة إلى مستوى الدوغما التقريرية التي يتوارثها المعلمون على نحو لا يقبل الجدل كما هو الحال في أديان أخرى، حتى لم يعد الهدف من التعلم لدى الكثير من طلبة العلم البحث عن الحقيقة بل امتلاك أدوات الدفاع عن العقيدة التي تُلقن دوغمائياً منذ الصغر، فبعد أن ينشأ أحدهم على هذا النوع من التعليم فإن قراءته اللاحقة لأي كتاب أو مقال وضعه أحد المخالفين ستكون مدفوعة بهدف لاشعوري مسبق وهو النقد وليس التعلم أو الاستزادة، وربما يستحضر كل من خاض تجربة الكتابة في عالم الصحافة والإنترنت من القراء الكرام مواقف عدة لعمليات تمحيص ونقد وطعن قائمة بالأساس على سوء الظن.

11- يحظى الإسلاميون الإصلاحيون – وقد تصدق تسميتهم بدعاة التجديد والوسطية والاعتدال – بشعبية متزايدة لدى الأجيال الشابة حتى في المجتمعات التي تسيطر فيها المدرسة السلفية، وقد يكتسبون شعبيتهم من خطابهم العصري وحرصهم على الانفتاح والاجتهاد والتيسير، بيد أن الكثير منهم لم يسلم من مغبة الإفراط حتى بات يمثل الوجه الآخر للتشدد.

ولعل البعض يعيد نقطة انفراج هذه الزاوية إلى الشيخ محمد عبده الذي انتهج في مطلع القرن العشرين منهج التقريب مع علوم العصر حتى اضطر -عن حسن نية في اعتقادنا- إلى تأويل بعض المعجزات والخوارق بمظاهر مادية بحتة، وتابعه آخرون في محاولات شتى كأبحاث الإعجاز العلمي والعددي في القرآن والسنة ونظريات القراءة المعاصرة بتطبيق لسانيات العصر الحديث على النصوص، إلى غير ذلك من المحاولات التي لم تعد تتحرج من استيراد نظريات ما بعد الحداثة اللادينية لتحديث الإسلام بها.

قد لا يلقى التطرف “العقلاني” رواجاً جماهيرياً بسبب نخبوية خطابه وتبعيته للغرب؛ لكن بعض الإصلاحيين المعتدلين لم يسلموا أيضاً من عقدة النقص تجاه الغرب حتى بات التوفيق مع نظريات مساواة المرأة على سبيل المثال مطلباً قائماً بذاته، مما يشكل عبئاً نفسياً لدى هؤلاء الدعاة وشعوراً بالانهزام الحضاري حتى في حال اعتدال أفكارهم مما ينعكس سوءًا على سلوكهم، فقد نجد لديهم تشدداً في الرأي يضاهي تعنت خصومهم ممن يُنعتون بالانغلاق والتحجر.

في رد فعل معاكس؛ لا يخفى على كل مطلع شغب الخطاب المضاد والمشكك في عقيدة الشيخ محمد عبده نفسه فضلاً عن عقيدة دعاة علمنة الإسلام ممن نشؤوا غالباً في مجتمعات غربية، حيث لا يتورع الكثير من الأدعياء عن محاكمة أي فيلسوف أو مفكر دون الحاجة إلى امتلاك أدوات فهم خطابه، مع أن ابن تيمية الذي انتقد المنطق لم يسفّه الفلاسفة إلا بعد أن استوعب منطقهم وفلسفاتهم، ولم يبلغ به الأمر مبلغ المفاخرة بحفظ النصوص ليضرب بها “زبالات الأذهان”، لذا يمتلئ خطاب هذا التيار بالتأكيد على ضرورة ظهور ملامح الحكم الإسلامي في تطبيق الحدود والتعزيرات ونشر الإسلام على الأرض بالجهاد وإلا فلن يُعترف به نظاماً إسلامياً، وأي محاولة لطرح منظومة سياسية معاصرة تُعد في عرفهم تنازلاً لا يمكن بحال التوافق معه.

ثالثا: في الوسيلة

12- أدى النفور التقليدي للإسلاميين من الفن والإعلام – مضافاً إلى القمع السياسي- إلى البحث عن منافذ أخرى؛ بدءاً بحلقات تحفيظ القرآن والمعاهد والجامعات الشرعية، مروراً ببعض المطبوعات ووصولاً إلى شبكة الإنترنت التي أتاحت الفرصة للجميع بالتساوي، وهكذا سعت كل جماعة إلى تأسيس موقعها الخاص ليكون بمثابة الصحيفة الناطقة بصوتها، ثم وصلت المنافسة إلى الدعاة المستقلين الذين أوكلوا إلى التلاميذ مهمة تأسيس مواقعهم الشخصية لطرح أفكارهم ونقد خصومهم.

لا تقتصر المشكلة هنا على المضمون الطائفي والمذهبي للإعلام الإسلامي فحسب بل تمتد إلى الانسحاب المبكر من الإعلام المرئي.

فبعد خمسين سنة من تأسيس أول قناة تلفزيونية عربية – في مصر وسورية – ما زال الوسط الفني الإعلامي العربي منفصلاً بالكامل عن بيئته المحافظة، فإلى وقت قريب لم يتجرأ المنتجون على تقديم المرأة المحجبة في الدراما العربية خوفاً من تهمة تنميط المتدينين، فالممثلة السافرة هي مواطنة عادية تجري عليها كل أحكام المجتمع بسلاسة.

أما إذا ارتدت حجاباً فكل ما تتعرض له سيُفسر على أنه غمز ولمز بالمتدينات، مع أن المحجبات يشكلن أغلبية في معظم الدول العربية ولسن أقلية تخشى التنميط العنصري، ولم ينشأ هذا الاعتقاد سوى من اعتياد المشاهدين – ومعظمهم من المتدينين – على احتكار غيرهم للفن والإعلام إلى درجة استنكارهم لظهور من يمثلهم على الشاشة، وكأنهم قنعوا بالتهميش والعزلة!

13- بعد عقود طويلة من التضييق الإعلامي والاعتزال الاختياري؛ تنبّه الإسلاميون إلى عدم جدوى الإعلام المكتوب في مجتمعات تصل نسبة الأمية فيها إلى النصف ولا يقرأ نصفها الآخر إلا قليلاً.

كما أدت أحداث الحادي عشر من أيلول وتزايد مخاوف بعض السلطات العربية من إيران إلى بعض التغييرات في المعادلة.

فبعد أن كانت قوانين وزارة الإعلام المصرية – على سبيل المثال – تحظر افتتاح أي قناة فضائية دينية بذريعة محاربة الإرهاب والطائفية، يمكن الآن لزائر المدينة الإعلامية في القاهرة ملاحظة الوجود الملفت للقنوات الدينية التي انتشرت بسرعة قياسية، مع أن معظمها سلفية، إذ يدور خطابها غالباً حول المواعظ والتربية والإفتاء بعيداً عن السياسة، فضلاً عن اشتغالها بنقد التيارات الأخرى بدءً من الحركات الجهادية والصوفية ومدارس التجديد ووصولاً إلى الشيعة.

فضلا عن ذلك؛ يُحسب لهذه القنوات نقل ظاهرة التراشق والسجال من الصحافة إلى الشاشة، حيث يخصص الكثير من الشيوخ بعض حلقات برامجهم للرد على ما يرونه مخالفاً من أفكار التيارات الأخرى التي تُعرض في قنواتهم، ويبدو أن السلطات التي أرادت منح الإسلاميين مساحة من الحرية بهدف احتواء بعض التيارات الأخرى قد اضطرت إلى التراجع في مواقف عدة إثر تحول النقد إلى حملات تأجيج طائفي لا يكترث لأي من مفاهيم الأمن القومي أو السِّلم الاجتماعي في مقابل الانتصار للطائفة ورموزها!

14- يسعى الكثير من الشيوخ والدعاة الأفاضل إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة في وسائل الإعلام والتربية، دون أن يدركوا أن خطابهم التقليدي لن يحدث تغييرًا كبيرًا لأنه سيظل محصورًا بجماعتهم التي لا تمثل سوى شريحة محدودة من المجتمع، فالشرائح الأخرى لا تشغل وقتها بمتابعة الإعلام المخالف لعجزه أصلاً عن لفت أنظارهم بوسائل الجذب والإبهار.

كما أن إصرار الكثير من الإعلاميين الإسلاميين على التشبث بأكثر الأحكام الفقهية تشدداً يعني اكتفاءهم مسبقاً بالاقتصار على تقديم بديل إعلامي محافظ ينال رضا أتباعهم فقط دون التطلع إلى منافسة الإعلام غير الديني أو مخاطبة المشاهدين الآخرين، مع أن علم المقاصد وفقه الأولويات يتيحان للإعلام تجاوز بعض القيود الشرعية حتى في حال اتساع دائرة الفقه لتشمل فتاوى أخرى أقل تشدداً.

في ظل هذه النظرة الضيقة والخوف من التجديد يفشل بعض الإسلاميين مجدداً في تحقيق ما أنجزه الأنبياء والمجددون ممن كانوا ينادون بالفطرة التي يجتمع عليها كل الناس وبالوحدة ونبذ الخلاف، بل تنقضي أعمارهم وتضيع جهود تلاميذهم وتُهدر أموال مموليهم دون أن يحققوا الكثير من أهدافهم خارج نطاق الفتيا لأتباعهم أو الوعظ لبعض التائهين الذين اغترفوا من الإعلام الهابط حتى الثمالة.

أما الإعلام الحركي فلن يضيف سوى زيادة طفيفة في عدد الأتباع بانتزاعهم من تيارات أخرى -ومعظمهم من المراهقين- في مقابل تشتيت جهود الأمة عن النهضة وتحقيق الحرية ومقاومة العدو واستعادة الهوية!

رابعا: في السلوك

15– في ظل التربية الإسلامية المتواضعة والانحلال الأخلاقي العام؛ بات من الصعب التمييز أحياناً بين شباب الحركات الإسلامية وأقرانهم من الحركات العلمانية سوى بالملبس والمنطلقات الفكرية، وكأن الفلسفة البراجماتية التي باتت موضع فخر لدى الشباب المتحضر قد امتد تأثيرها أيضاً إلى الإسلاميين مع تناقضها السافر مع معتقداتهم، فهل أصبح الفكر الإسلامي مجرد إيديولوجيا يتعصب لها أتباعها كما يتعصب الآخرون للاشتراكية والليبرالية مثلاً؟

أذكر هنا شاباً كان ينظّر بحماس لمذهبه الإسلامي في اجتماع مع بعض أقرانه، وكنت أشير إليه مرارًا لتذكيره بضرورة أداء صلاة العشاء، وما إن قارب الليل على الانتصاف وحانت لحظة استراحة، قام فنقرها أربعًا وأنا أقتدي به، غير أني أعدتها منفردًا خشية عدم قبولها، لعدم حرصه على النطق بحروف الفاتحة على الأقل من مخارجها!

والأغرب من ذلك ما سمعته من شاب عربي حدثني في سياق تجربته في المعتقل أن المعتقلين الإسلاميين كانوا يتبادلون التكفير وهم تحت التعذيب معًا.

فإذا جرت العادة على أن يتوحد الناس بالفطرة عندما يلاقون عدوًا مشتركًا بحثًا عما يجمعهم من قواسم مشتركة؛ فلماذا لم يجد هؤلاء الشباب في الإسلام الذي يتبنونه ما يوحدهم تحت التعذيب وهم أبناء حركة واحد؟

عندئذ أدركت مغزى انصراف الإمام الغزالي إلى تصنيف موسوعة (إحياء علوم الدين) في غمرة انشغال الناس بالتصدي للحملات الصليبية، فالعالم كان يعج حينها أيضًا بصراع فكري داخلي عميق مما أوقع الغزالي نفسه أسيراً لمرض نفسي كاد يأتي حتى على عقيدته، وما زال هؤلاء الشباب بعد تسعة قرون يعيدون أخطاء الماضي ويخوضون سجالات آيديولوجية تحت اسم الدين قبل أن يشغلوا أنفسهم بالتزكية وفهم مقاصد الإسلام والتحلي بأخلاقه.

في المقابل؛ تنشغل جماعات إسلامية أخرى بالتزكية إلى حد التطرف المعاكس، فيتخذون من الإرجاء والانسحاب مذهباً سياسياً معلناً يفاخرون به، وتنقضي أعمارهم في انتظار مؤشر التحرك الذي يُختزل في امتلاء المساجد بصفوف المصلين في صلاة الفجر كما تمتلئ في صلاة الجمعة.

ونظراً لاقتصار ثقافتهم على التراث الصوفي، فإن قوانين السياسة والاجتماع والتاريخ المقارن والسنن الكونية التي أكدها القرآن الكريم في قوله: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” لا تعنيهم، بل يكتفون بتأويل هذا النص المحرض على التغيير -على طريقة التأويل العرفاني الذي يقصر اهتمامه على الباطن- بإصلاح النفس والتزكية، لتظل أهدافهم كلها مقتصرة على الأخلاق والمحبة والانفتاح على الأديان الأخرى إلى درجة “الدروشة”، دون أن يبذلوا جهداً يذكر في أي إصلاح آخر في الوقت الذي ينجح فيه العدو بتغيير العالم كله نحو الأسوأ!

علماً بأن هناك شعوباً ثارت للحصول على حقوقها ونهضت فصنعت مجدها دون المرور بهذه المرحلة من التزكية، بل قامت الثورات الأوربية ضد تحالف الكنيسة مع الإقطاع لإقامة حكم علماني أكثر إنسانية (وهذه ليست دعوة للعلمانية).

من جهة أخرى؛ لا يكتمل بناء الخطاب الإسلامي الصحيح – في اعتقادي- بمجرد جمع التزكية إلى الرغبة في التحرك والتغيير، فقد كان الخوارج من أكثر الناس تعبداً وهمة على الجهاد لكنهم رأوا في قتل أئمة الصحابة وعلى رأسهم علي رضي الله عنه عملاً يقربهم إلى الله، فالعقل السليم هو الذي يعصم المسلمين من تأويل الشرع بما يوافق الهوى.

16- عندما يغلب الشعور بالندرة وقلة الموارد والبقاء للأقوى في المجتمع تشيع ثقافة المعادلة الصفرية: أنت تخسر وأنا أخسر، في مقابل المعادلة التي تشيع في المجتمعات المتحضرة والمتزنة نفسياً: أنت تربح وأنا أربح!.. لذا تفتقر الساحة الثقافية والسياسية العربية – والإسلامية جزء أصيل منها – إلى أدب الحوار وأخلاق الاختلاف وحق الشورى، وينشأ الجيل المتحمس للتغيير على الميل اللاواعي إلى “شخصنة” الفكر، فيصبح كل نقد لفكر المرء بمثابة هجوم على شخصه، وكل نقد لشخصه هو نقد لفكره الذي يتمثل الدين نفسه بكل قداسته!

وهنا تتماهى الأفكار والأيديولوجيات مع الكرامة الشخصية وتسقط القيم تحت أقدام الجاهلية، ليصل الأمر بالبعض إلى التأصيل الفقهي للبذاءة في الرد على المخالف “العدو”، إذ شاهدت بنفسي مشهداً مسجلاً من محاضرة لأحد كبار علماء الحديث ونجوم الفضائيات الدعوية وهو يقدم لجمهوره من العوام ما يبرر استخدام الألفاظ النابية والسوقية لتحقير الخصوم، مدعماً رأيه بأحاديث ضعيفة تتعارض بوضوح مع مقاصد الإسلام وفقه الدعوة وسيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

قد لا أبالغ في القول بأن هذه السياسة باتت منهجاً سلوكياً وأخلاقياً يلجأ إليه الكثيرون لا شعورياً حتى في مناقشة الاجتهادات الفقهية التي تحتمل الخلاف، ويمكن لكل قارئ مطّلع أن يستحضر عشرات الأمثلة مما يجود به أدعياء العلم من شتائم في سياق الفتوى والوعظ، كتفتق عبقرية أحد خطباء الجمعة عن تشبيه من يحلق لحيته بالغيرة من زوجته التي حُرمت من شعر الوجه، ليرمي بهذا التحقير في وجوه مئات المصلين الذين قصدوه للاستنارة بعلمه!.. فكيف إذن بمن يراه عدواً يسعى لتغريب المجتمع وعلمنته أو صبغه بلون مذهبه الضال والمنحرف؟

لقد وصل التراخي الأخلاقي ببعض الإسلاميين إلى درجة لا يجرؤ عليها الكثير من الملحدين الذين لا يخشون حساباً ولا عقاباً، ففي جعبتي الكثير من المشاهدات والأمثلة عن انتحال وسرقة مقالات ونصوص، وحتى كتب لزملاء في نفس الحركة أو المذهب، وهؤلاء ليسوا من الأدعياء ولا المدسوسين بل دعاة وطلبة علم يحرصون على أداء فروضهم الدينية ويتحمسون للمشروع الإسلامي.

قد يصدق القول بأن القمع السياسي والشعور بالقهر والغربة يزيد من تساهلهم وتبرير ازدواجية معاييرهم، غير أني سمعت أحدهم في موقف كنت شاهداً وهو يشير على شيخه – وهو من نجوم الدعوة – بعدم التصريح العلني بتكفير “الرافضة” عملاً بنصيحة “ولي الأمر” في إحياء الحوار الوطني واحترام حقوق المواطنة.

والسؤال هنا: إذا تجاوزنا الواجب الأخلاقي للعالِم في بيان الحق الذي يؤمن به ثم غضضنا الطرف عن التشابه بين هذا الموقف والتقية التي يُنتقد بها ذاك الذي يتم تكفيره بعيداً عن الإعلام وعين الرقيب؛ فما هي جدوى أوامر السلطة في نشر ثقافة الحوار والديمقراطية طالما كان بعض الإسلاميين ينتصر لها عندما تحقق له المكاسب على خصمه ويتنكر لها عندما يخسر، ثم يدعم كلا الموقفين بمبررات دينية؟!

17- مع شيوع ظاهرة المراجعة الحميدة لأخطاء الماضي لدى بعض الإسلاميين؛ يفتقد آخرون إلى جرأة التراجع والاعتراف بالخطأ أو المجاهرة بضرورة التجديد وتصحيح المسار، وقد يكتفي بعضهم بالتصحيح المتدرج دون الخوض في سجالات المرحلة هروباً من أزمة الاعتراف بأخطاء الماضي.

والأسوأ من ذلك قلة صبر بعضهم على ما يلقاه من نقد “الحرس القديم”، كتراجع أحد كبار الدعاة عن التصريح بجواز كشف وجه المرأة، بعد أن نشأ جيل كامل من النساء على فتوى صريحة تزعم إجماع أهل العلم منذ عصر السلف على وجوب ستره، مع أن كتب الفقه تملأ المكتبات وليست سراً دفيناً (!).. لكن فضيلته سرعان ما تراجع عن “خطأ” هذه الفتوى المتساهلة إثر تعرضه للضغوط وقرر اعتزال مجال الدعوة، ونتيجة لضغط معاكس عاد إلى نشاطه بعد أيام ثم اعترف أخيراً بعد هدوء الزوبعة بجواز كشف الوجه دون أن يعلّق بشيء على كل ما جرى.

الأمر نفسه ينطبق على عدد من كبار الدعاة الذين تراجعوا عن مواقفهم الحركية السابقة ومالوا إلى مهادنة السلطة دون أن يقدموا المبررات أو الاعتذارات، مما أوقع الكثير من الشباب في الحيرة والتخبط، بل انتهى الحال ببعضهم إلى التمرد والانشقاق ليشكلوا جماعات ليبرالية موالية للغرب كما حدث بعد الحادي عشر من أيلول على وجه الخصوص.

قد يكون التغيير بصمت مقبولاً عندما يُخشى على وحدة الصف وكرامة الجيل الماضي من أهل العلم؛ لكنه يصبح مذموماً عندما ينتهجه البعض خشية النقد وحفاظاً على الأتباع والسمعة، كما أن وحدة الصف لا يصح أن تتعارض مع المجاهرة بالحق إذا تمت بطريق شرعي ومنطقي، إلا إذا كان البعض يتعمد تربية أتباعه على عصمة الشيخ من الخطأ!

خاتمة:

أخيراً؛ فإن ما ذكرناه من نقد لبعض ما نراه من جوانب النقص لا يمكن تعميمه لطبيعة التنوع الكبير والفريد في الساحة الإسلامية، كما نجد مثيلاً لمعظم هذه المثالب لدى الحركات والأحزاب والأيديولوجيات الأخرى مع قليل من الاختلاف في الدرجة والمسميات، فالعيوب ليس ناشئة عن الإسلام نفسه، وتسليطنا الضوء عليها لا يعني إنكار حسنات وإنجازات الإسلاميين، لكن موضوع المقال يقتضي البحث في الجانب الآخر لتقصي أسباب الفشل وليس تحليل الظاهرة بأكملها.

أعتقد أن الحل يبدأ من القناعة بالحوار والانفتاح واستعادة الثقة بالعقل الذي هو مناط التكليف في الإسلام بعد أن رُبط مفهومه خطأً بالهوى، أي كما فعل الأشاعرة عندما صححوا مسار المعتزلة الذين بالغوا في تقدير دور العقل لكونهم أول من يخوض التجربة.

وكما فعل الغزالي وابن رشد وابن تيمية كلٌ على طريقته باستخدام العقل نفسه وإن اختلفت الحدود التي يقف عندها، فالغزالي الذي كفّر بعض الفلاسفة لم يقل بالعرفان الصوفي إلا بعد أن ينجز العقل مهمته، وابن رشد بريء من تهمة “الحقيقة المزدوجة” التي تجمع بين لا منطقية الأساطير وبراهين الحكمة في تناقض عجيب، وابن تيمية لم يطلّق العقل طلاقاً بائناً ليعلي من شأن التقليد الأعمى.

ولم يبدأ عصر الانحطاط إلا بالتطبيق الدوغمائي الضيق لمذاهب هؤلاء الأئمة والتعصب لها، ولا أظن النهوض من كبوة هذا العصر ممكناً ما دام البعض يمنع تدريس علوم المنطق والفلسفة بوصفها من العلوم المحرمة كالسحر والشعوذة، مع أن الغزالي وابن تيمية كانا من أكثر علماء عصرهما إلماماً بها وإضافة إليها باستخدام أدواتها، كما لن يحدث التجديد المنشود على يد من يرى في “عقله” مصدراً للتشريع ينقض به أصول الفقه وقواعد اللغة كما يحلو له مع أن القاضي ابن رشد لم يحكّم هواه في النص تحت لافتة العقلانية والتجديد.

قد يتطلب العلاج الانتظار لنشوء أجيال جديدة على ثقافة مختلفة، والبدءَ من الآن بتربيتها على نبذ الخوف والرهاب الناشئ عن ضعف الثقة بالنفس في عالم حُكم عليه مسبقاً بأنه آخر الزمان ونهاية التاريخ وموعد ترقب خروج المهدي، ولن ينجح العلاج ما لم نتخلص من عُقد هزائمنا منذ سقوط الخلافة ومروراً بنكسة حزيران وحتى احتلال بغداد وتدمير غزة، ولعل الثورات العربية التي اندلعت دون سابق إنذار ستتبعها ثورات مماثلة في العقول والأفكار.

الشارع العربي يترقب حلول الديمقراطية ليمنح ثقته للإسلاميين، والظاهرة الإسلامية تتمتع أكثر من غيرها بالمرونة والحيوية الداخلية – كما يرى د. بشير نافع – مما يبشر بقدرة أصحابها على إعادة النظر في برامجهم ومشاريعهم في كل الظروف والأزمنة، وحسبنا هنا أن نتذكر المراجعات الفكرية الجريئة التي أقدمت عليها حركة الجهاد الإسلامي في مصر بعد أن كانت من أكثر الحركات تطرفاً، فالتجديد مطلب لا غنى عنه في الإسلام.

 
Leave a comment

Posted by on May 8, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: