RSS

لماذا يفشل الإسلاميون؟.. (1/2) قراءة نقدية في المنهج والسلوك

08 May

* مقدمة تاريخية:

أكثر من ثمانين عاماً مضت على سقوط الخلافة العثمانية، والتي كانت بمثابة الممثل الأخير لنظام الحكم الإسلامي مع كل ما كان يشوبها من عيوب وثغرات.

لم تكن مجرد عقود ثمانية، فقد قفز العالم في هذه الفترة عدة قرون نحو المستقبل، وشهد التاريخ فيها ظهور إمبراطورياتٍ وسقوط أخرى على نحو لم يعهده الإنسان من قبل، ومع أن العالم الإسلامي هو من أكثر مناطق العالم توتراً فقد ظل أكثرها ثباتاً وتخلفاً، ولم يشهد طوال تلك العقود أي قفزة ذات شأن أو يترك أي أثر في العالم من حوله بل ما زال مكتفياً بدور المتلقي لكل ما يراد تصديره إليه من خير وشر.

في مطلع القرن التاسع عشر أدرك المسلمون أنهم خسروا موقع الصدارة في صراعهم مع الغرب – الذي انتقل ولاؤه من الصليبية إلى العلمانية ظاهرياً على الأقل – وابتدأت بذلك موجة التغريب، فأنشأ السلطان محمود الثاني أول جيش نظامي على الطراز الأوربي، ثم صدر أول دستور للبلاد على يد السلطان عبد المجيد الأول عام 1839، وتدرج الانقلاب الفكري والثقافي بسرعة قياسية حيث تشكلت للمرة الأولى في التاريخ الإسلامي فئة من المثقفين المستعلنين بالإلحاد والعلمانية والتغريب، فحتى الفلاسفة الذين كفّرهم الكثير من العلماء في الماضي كانوا يبذلون جهدهم في محاولة التوفيق بين الإسلام وأفكارهم الغنوصية أو العقلانية المتأثرة بفلسفات مستوردة، ولم يجاهر بالخروج عن الإسلام أو معارضته منهم إلا عدد قليل لا يعتد به.

لذا أخذ مصطلح “الإسلاميين” في العصر الحديث معنى مغايراً لما كان عليه لدى الأشعري والبلخي – إذ ألف كل منهما كتاباً اسمه مقالات الإسلاميين – وكان يُقصد به آنذاك تلك الفئة من الناشطين في مجال الفكر والدعوة، بمن فيهم أئمة الفِرق المنشقة عن نهج “السنة والجماعة”، تمييزاً لهم عن بقية أفراد المجتمع من العوام، أما في هذه المرحلة فيبدو لي أنه بات معنياً بالتمييز عن أولئك الذين يجدون المرجعية الفكرية والسياسية – ولو جزئياً – في الخطاب الوضعي من العلمانيين، أو في الخطاب الديني لدى الأديان الأخرى، سواء كانوا من الناشطين والمثقفين أم من العوام.

علاوة على ما سبق؛ عانى إسلاميو العصر الحديث كثيراً من تأثير “صدمة المستقبل”، وهو مصطلح أستعيره من المفكر الأمريكي “آلفين توفلر”، الذي لاحظ عجز الإنسان الغربي عن استيعاب القفزة الحضارية الكبيرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية عصر البذخ والإباحية والتقدم التكنولوجي، وقد يصدق هذا الوصف على طلائع الإسلاميين في هذا العصر من حيث وقوعهم في أزمة استيعاب حاضرهم واستشراف مستقبلهم مع إشراف نظام الخلافة على الانهيار، ليزداد الأمر سوءاً بعد مرحلة طويلة من الانحطاط الفكري الذي رسّخته سلطة الاستبداد بتشجيعها الانغلاق على الماضي والتشرنق في التصوف والإرجاء والجدل الكلامي، وإن كان التوفيق قد حالف جهود محمد بن عبد الوهاب في تخليص العقيدة من البدع دون كبير نجاح على الصعيد الحضاري والفكري في الجزيرة العربية، بينما لم تقدم المراجع الشيعية حلاً مقنعاً لأزمة المهدي المنتظر ومن ثم العجز عن تحقيق الحكم الإمامي.

في تلك الأثناء؛ برزت بعض المحاولات الفردية للتجديد وإعادة إحياء المشروع الإسلامي، مثل محاولات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وسعيد النورسي وعلال الفاسي وابن باديس، ولكن العديد منها أُجهض أو أعيدت صياغته في أطروحات وطنية وقُطرية عندما تمكّن الأوربيون والصهاينة – بمباركة قادة الثورة العربية – من إسقاط الخلافة وتحويل عاصمتها “الأستانة” إلى معقل للعلمانية والماسونية، لتبدأ عملية اقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية في مسرحية قد يندر تكررها في التاريخ، إذ استخدم وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا المسطرة والفرجار لتقسيم أقاليم المنطقة على الخريطة إلى دول على الطراز الأوربي، ثم توزيعها على الدول المحتلة بهدف “إعمارها”.

ولم يخرج هذا الاحتلال العسكري إلا بعد إحداث التغييرات الثقافية المطلوبة بدءاً من نزع الحجاب وانتهاءً برعاية أقطاب النزعات الإلحادية والقومية الشوفينية، واطمأن المحتلون أخيراً إلى تسلّم الليبراليين لدفة الحكم وتداول السلطة عبر الآليات الديمقراطية بين أحزاب علمانية بحتة، لذا انشغلت معظم الحركات الإسلامية آنذاك بهموم الهوية والاستقلال وضياع فلسطين.

بعد فترة وجيزة؛ ظهر النظام الشيوعي على الساحة الدولية ليوافق الغربَ في علمانيته ويخالفه في فلسفته واقتصاده، واكتسب ولاء معظم الدول التي عانت سابقاً من الاحتلال الغربي لدواعٍ إنسانية وسياسية، فانقسمت الحركات السياسية في الداخل الإسلامي أيضاً إلى قسمين رئيسين: ليبرالي واشتراكي، وكادت الاشتراكية أن تكتسح الولاء الشعبي التقليدي للإسلام على يد الدعاية الناصرية التي أتقنت مخاطبة الجماهير، فبرزت الحاجة إلى تأسيس حركة سياسية إسلامية قادرة على المنافسة وكانت البداية مع حركة “الإخوان المسلمين” التي وضع أساسها الفكري حسن البنا عام 1928 بمزيج من فكر الأزهر ووجدانية الصوفية وسياسة الحزب الوطني، ثم سرعان ما قلده أتباع المذاهب والتيارات الإسلامية الأخرى وتوالى ظهور الأحزاب والجماعات التي ورثت جهود الإصلاحيين الأوائل من جيل محمد بن عبد الوهاب والأفغاني والنورسي.

ربما لم تشهد الأوساط السياسية والفكرية تنوعاً وانشقاقاً ومراجعة أكثر مما جرى في الوسط الإسلامي، ويبدو للمراقب أن الفكر الإسلامي قد تم تطويعه حتى أمكن مزجه مع ما يبدو للكثيرين مناقضاً للإسلام، إذ شهد بروز حركات إسلامية تتماشى مع كل ما هو سائد في الساحة السياسية والفكرية، فظهر أولاً التيار الوطني على يد محمد عبده في ظل النظام الملكي، ثم “اليسار الإسلامي” الذي حاول التصالح مع الاشتراكية والدعم السوفييتي للعرب، ثم استُبدل به “الإسلام الليبرالي” الذي يلقى تشجيعاً غربياً ورسمياً منذ انهيار الشيوعية وصعود التطرف، أما تيار التصوف فكان حاضراً على الدوام برعاية السلطات المتحالفة معه، بينما تذبذبت حركات العنف والتكفير وفقاً للأحداث السياسية وتجاذباتها قبل أن يعلن بعض أتباعها عن بدء مرحلة المراجعة والتراجع.

بعد كل هذه التطورات والانقلابات والمراجعات؛ لم ينجح الإسلاميون حتى الآن في الوصول إلى الحكم خارج إطار الانقلابات العسكرية – كما حدث في السودان وإيران – باستثناء التجربة التركية وتجربة حماس المجهَضة، وإذا كان القمع السياسي بموافقة غربية هو السبب الرئيس لهذا الفشل فهذا لا يعني بالضرورة – كما يرى الخصوم – أن الحركات الإسلامية قادرة على طرح مشروع ناضج وجاهز للتطبيق فور توفر الفرصة.

وقد يكون في هذا الموقف شيء من التحامل الذي تنقضه أطروحات المجددين في الربع الأخير من القرن العشرين، ويشهد بذلك الصعود الكاسح للصيرفة الإسلامية والاستيعاب الناضج لقضايا الحداثة (مثل حقوق الإنسان والمواطنة وتعدد الأحزاب والديمقراطية..)، مما ينتظر تحقيق انتخابات تشريعية وتنفيذية نزيهة لإثبات واقعيته، وإن كانت أطروحات التجديديين ما زالت فوق مستوى ثقافة الشارع الذي أثبت تأييده في مصر والجزائر وفلسطين بسبب ثقته الفطرية – وربما الدوغمائية! – بشعار “الإسلام هو الحل”.

* لماذا يفشل الإسلاميون؟

لست أزعم الإجابة عن هذا السؤال الذي قد لا يوافق عليه الكثيرون، بل أكتفي ببعض الملاحظات التي أحاول من خلالها تسليط الضوء على ما أراه من أسباب داخلية لهذا الفشل بعد تجاوز الأسباب الخارجية، علماً بأن النقد هنا يقتصر على السلوك والمنهج ولا يطال الظاهرة الإسلامية نفسها بمرجعيتها ومنطلقاتها وأهدافها ورموزها.

أولا: في المنهج:

1- بالرغم من عالمية الخطاب الإسلامي؛ فإن الكثير من الحركات والأحزاب الإسلامية ترضى –بل وتفتخر- بقصر نشاطها على العمل القُطري لإثبات وطنيتها، وذلك منذ أن تراجع الشيخ محمد عبده عن مبدأ “الجامعة الإسلامية” لأستاذه جمال الدين الأفغاني ليُحل محله الهوية الوطنية، مما يعني – حسب راشد الغنوشي – إمكان تكرار أخطاء القوميين عندما حكموا دولاً عربية تحت مسمى حزب عروبي واحد وبقطيعة تامة بين القطرين.

فالتشتت القطري بين الإسلاميين واحد حتى في ظل وحدة المسميات والمنطلقات، كما يختلف خطاب العرب منهم عن غيرهم من المسلمين العجم الذين سبقوهم في السلم الحضاري، وذلك في الوقت الذي ينظر فيه العالم الإسلامي إلى العرب خاصة بصفتهم حملة رسالة الإسلام والمؤتمنين على سنة رسوله العربي صلى الله عليه وسلم.

وإذا كان ابن خلدون قد سبق منذ خمسة قرون إلى نقد العقل العربي المحتكم إلى العصبية؛ فإن كلاً من عالمية الإسلام وعولمة الثقافة الغربية لم يتمكنا بعد من تحديث العقلية العشائرية للعرب التي وجدت لها ملاذاً في مسميات الوطنية والقومية حتى لدى الشعوب التي تفاخر بكونها “محافِظة”.

2- يتباهى المسلمون في كل العصور بأن كتابهم محفوظ من التزوير على النقيض من الأديان الأخرى التي يقر الكثير من الخارجين عليها بعدم دقتها، وتبدأ المشكلة عندما ينطلق بعض الإسلاميين من هذه الحقيقة لتبرير التشدد وكأن صحة النص يجب أن تشمل ما تفهمه هذه الجماعة أو تلك منه، ليصرح بعضهم بأن عقيدتهم هي “العقيدة الصحيحة” وأنهم يمثلون وحدهم الفرقة الناجية بين ثلاث وسبعين فرقة.

ومن الضروري الاعتراف بأن أتباع هذا الرأي ليسوا أقلية من “الإرهابيين” المتطرفين، بل هو منهج يسيطر على فكر الملايين من المسلمين الذين نُقلت إليهم ضرورة التسليم الدوغمائي التقريري بما يراه مشايخهم “الربانيون”، وإلا فإن تسرب احتمال وجود أي خطأ في صحة ما يرونه – حتى في الفروع – يعني الشك المفضي إلى الضلال أو الشرك، فإصرارهم على التصريح بأن منهجم هو الحق المطلق ليس ناشئاً عن الرغبة في الانغلاق أو نبذ الآخر، بل هو في اعتقادهم هروب من الكفر!

من جهة أخرى؛ ومع غياب الثقافة السياسية لدى الكثير من الإسلاميين، باتت توجهاتهم قابلة لكل تأويل على أساس تبريري في غاية التناقض، وإلى درجة بلغت خطورتها المساس بثقة الجيل الناشئ في دينهم أمام قدرة كل جماعة على استخراج ما يناسبها من القرآن والسنة، فسواء كان الناشط الإسلامي موالياً للطاغية العلماني أو مؤيداً للخروج عليه أو داعياً للتكفير والهجرة فإنه قادر على دعم مذهبه بالنص والجدل، مما يؤدي إلى تشكيك الجيل الناشئ بمصداقية النص نفسه!

3- الإسلاميون ليسوا سوى شريحة تمثل جزءًا من مجتمعاتهم فهم يحملون همومها وينفعلون بما تتعرض له من تغيرات أخلاقية واقتصادية واجتماعية، وعليه فمن الطبيعي أن يتأثر سلوكهم ببعض أخلاقه مع نبذهم الفكري والعقدي لها، وبهذا نفهم التحول في الدوافع عندما يتماهى الديني مع الدنيوي ويُقحم النص للتبرير وتخدير الضمير، ثم سرعان ما تنكفئ الجماعات على نفسها ويتحول بعضها إلى جماعات بشرية تحقق أهدافها الخاصة تحت شعارات دينية براقة.

وقد يلاحظ المطلعون عن قرب تعمّد الكثير من الشباب الانضمام إلى هذه الجماعات لتحقيق مصالحهم الشخصية، خصوصاً عندما يُغدق أثرياء الجماعة المال على الموهوبين من دعاتها أو يؤمّنون لهم المسكن والمركب والوظيفة فضلاً عن المركز الاجتماعي.

والأسوأ من هذا كله أن يتواطأ الشيوخ مع أسياد المال والسلطة في ثلاثية محكمة لاحتكار منابر الدعوة والإفتاء والتعليم، فتُغلق أبواب الإصلاح في وجوه المخلصين ولا تُعطى الشرعية إلا لمن يوافق هوى السلطان، وكأننا أمام شكل بدائي من أشكال الكهنوتية القرنوسطية؛ فإذا كانت الكنيسة قد سيطرت بالقوة على أوربا مع خضوع الملوك للبابا (صاحب الاعتراف الكنسي) فإن السلطة هنا تظل للحاكم المستبد (صاحب الاعتراف الوطني)، دون أن يستفيد منه “وعّاظ السلطان” سوى ببعض السلطة لنشر مذهبهم على حساب مخالفيهم أو السماح بمتابعة نشاطهم التقليدي في الفتيا والتزكية.

4- تفتقر الساحتان الفكرية والسياسية منذ سقوط الخلافة وحتى اليوم إلى وجود مرجعية سنية موحدة، مما يؤدي إلى نتائج لا تخفى على أحد وليس أقلها فشل التجارب الفردية. فعلى الصعيد السياسي نجد في تجارب السودان وقطاع غزة والجزائر والصومال أمثلة واضحة على صعوبة بناء نظام سياسي غير مسبوق في محيط مغاير ومتربص، إذ تلجأ الحكومات الصغيرة الناشئة عادة إلى التحالف مع قوى وأمم كبرى لدعمها وإنقاذها من العزلة وخصوصاً عندما تجد نفسها في محيط مختلف سياسياً وفكرياً.

أما على الصعيد الفكري، فلا يكاد الإسلاميون يجتمعون على موقف موحد في أي حادث أو موقف، ونستحضر هنا مثال الرسوم المسيئة التي ظهرت في الصحف الدانمركية بتواطؤ رسمي وشعبي عندما حاول الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين تشكيل “لوبي” إسلامي عالمي للضغط على الدول الغربية بهدف استصدار قوانين تحظر إهانة الرموز الدينية، لكن مجموعة من الدعاة قرروا القيام بمبادرات فردية للحوار مع الدانمرك مما أفشل – كما يرى الكثيرون – المحاولة برمتها.

في المقابل؛ نجح العديد من قادة التيارات الشيعية في تجاهل خلافاتهم والتحالف تحت راية الخميني مع بداية الثورة، ومنهم الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد الذي كان معارضًا لفكرة ولاية الفقيه عند تنصيب الخميني قبل أن يقر بها ويقدم ولاءه لأسباب سياسية، علماً بأن الخلاف عاد ليتغلغل في الوسط السياسي الشيعي مع ترهل الثورة والاستبداد بالسلطة على الطريقة الثيوقراطية دون أن يؤدي هذا الشقاق إلى تمرد أحد من أقطاب المعارضة على ولاية الفقية آية الله خامنئي المنحاز إلى المحافظين، وذلك حفاظاً على وحدة الكلمة التي تقتضيها الحنكة السياسية المفقودة على الجانب السني!

5- مع تراجع دور العقل النقدي محملاً بالصراع التقليدي مع الفلاسفة والمعتزلة ومتكلمي الفرق، ومضافاً إليه مخاوف الانفتاح على العقل الغربي المستعلن بعلمانيته وإباحيته ودعمه للصهيونية؛ انحسرت مساعي النهضة التي تبلورت ملامحها في أواخر القرن الثامن عشر لتصطبغ الثقافة الإسلامية بصبغة التقليد والخوف من الانفتاح واللجوء القسري إلى التراث والتمسك بالمظاهر والقشور، ولتحل مبادئ الحاكمية الإسلامية وجاهلية القرن العشرين والتكفير والهجرة محل النهضة والمعاصرة وفقه الأولويات وامتلاك أسباب القوة، حتى أصبحت الحاكمية لدى سيد قطب بمثابة التحضر نفسه وكأن وصول الإسلاميين إلى الحكم هو مبدأ المشروع ومنتهاه الذي يمكن به القضاء على الجاهلية، وإلى درجة هجوم الكثير من الإسلاميين العرب على تجربة أربكان وأردوغان في نشأتها دون أي تفهم للبعد الاستراتيجي وتعقيدات المشهد السياسي التركي.

ومن الطريف حقاً أن يخمد هذا الشغب مع ظهور نتائج بُعد النظرة الأردوغانية فيما بعد، بينما يؤيد هؤلاء أنفسهم تجربة طالبان التي طبقت مشروع “الحاكمية” حرفيًا تحت قيادة “أمير المؤمنين” الملا عمر، قبل أن يرتبط نشاطها بالقاعدة ويظهر الوجه الحقيقي لهذه النظرة الضيقة على يد أجنحة القاعدة الدولية بما فيها “دولة العراق الإسلامية”، حيث يبدأ الحكم الإسلامي “الراشد” بالسيطرة على الحكم وتطبيق الحدود وإجبار أهل الذمة على دفع الجزية وهم صاغرين!

هذا الاختزال السطحي لا يقتصر على الطرح السياسي للفِرق المتطرفة، بل يعاني الوسط الإسلامي بتنوع أطيافه من شيوع العقلية السطحية والتأويل الظاهري حتى لدى الجماعات التي توالي السلطة في بعض الدول، لتقف حدود مشاريعها عند فتح المشاريع الخيرية وحلقات الذكر وحفلات الموالد وحلقات التحفيظ، أو عند حدود النقاب والملابس وقصات الشعر واللحى وورود الفالانتاين، بل يصل الانغلاق إلى درجة الإصرار على تطبيق النقاب – وهو ليس فرضاً حسب جمهور فقهاء السلف! – في عواصم الغرب دون أي اعتبار لظروف الزمان والمكان التي أقرها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه كما في مثال النجاشي، ومن المعروف أن المجتمعات التي تُفرض عليها هذه المظاهر بحكم القانون أو العُرف هي من أكثر المجتمعات تفلتاً عندما تغيب أعين الرقيب.

ومن المؤسف ألا تثير هذه الازدواجية مخاوف الدعاة والمربين مع ما تحمله من خطورة على الشخصية والعقل الجمعي وليس على علاقة الناس بربهم فقط، وألا ينتبه الكثير من الإسلاميين إلى أن ارتباط أجندتهم بتقييد الحرية الفردية والتشبث بالمظاهر وإكراه أهل المدن على تقاليد الأرياف التي جاء معظمهم منها لن يزيد الناس منهم إلا نفوراً!..

فالسطحية في فهم الإسلام وتطبيقه هي التي دفعت جنوب السودان إلى رفض تطبيق الشريعة في ظل أول حكومة إسلامية عربية، وهي التي أثارت مخاوف الكثير من الفلسطينيين مع صعود حماس، وما زالت تثير أيضاً زوابع إعلامية وحقوقية في إيران والسعودية بالرغم مما يعانيه المسلمون عموماً من تراجع حضاري أمام العالم الذي يتفرج مندهشاً أمام مشهد تطبيق حد السرقة في حق أكثر شعوب الأرض فقراً في أفغانستان، مع أن الفقه يقوم على مبدأ درء الحدود بالشبهات بل وتوقيف تطبيقها في ظروف مماثلة لما يعيشه معظم المسلمين اليوم.

والأغرب من كل ذلك أن يرى دعاة هذا المنهج في نفور الناس منهم ما يبرهن لهم ثباتهم على الحق الذي ضل الآخرون عنه، وكأن غاية الإسلام أن يكون أتباعه أقلية من الغرباء والمهاجرين والمنفيين من الأرض بينما تُمسخ فطرة شعوب كاملة من البشر(!) ولنقارن فقط بين ما يجري اليوم من نفور المسلمين أنفسهم وبين تاريخ دخول شعوب البنجاب وإندونيسيا ووسط آسيا في الإسلام الذي وجدوا فيه حريتهم وانعتاقهم من عبودية المادة والطواغيت.

6- يُعاب على الكثير من الإسلاميين كغيرهم نمطية التفكير في المنهج، فالليبراليون يقرؤون التاريخ من منظور الصراع مع السلطة السياسية- الدينية، والماركسيون يصنفون البشر إلى مالكي وسائل الإنتاج والبروليتاريا ويصيغون فهمهم لكل مظاهر الحياة على أساس الصراع الطبقي وسباق الرجعية مع التقدمية، لذا لا يختلف حال الكثير من الإسلاميين عندما يعيدون صياغة التاريخ والحاضر والمستقبل بمنظور قاصر، فبعضهم يقسم البشرية إلى موالين لآل البيت ومعادين له حتى تكاد حركة الكون تدور في مخيلتهم حول لحظة خروج المهدي المنتظر، بينما يفصل آخرون بين الإيمان والكفر بحدود الولاء لقادتهم ومنظريهم فتضيق الدائرة وتتسع حسب ظروف المرحلة.

لا تقتصر المشكلة هنا على الانغلاق والدوغمائية، بل تمتد إلى قصور المنهج نفسه الذي يُقرأ به التاريخ وتُفسر به العلوم وتُتخذ به القرارات الإستراتيجية، فهذا القصور المنهجي هو الذي دفع البابا لتكذيب الحواس وقمع العقل وتحريم النظر في التلسكوب الذي يثبت نظرية جاليليو في دوران الأرض حول الشمس، وهو الذي سمح لجورج بوش الابن بزجّ العالم في أتون الحرب في العراق بدافع احتلال بابل التي سيخرج منها يأجوج ومأجوج لاحتلال العالم، وهو ذاته الذي يدفع الكثير من الإسلاميين إلى إنفاق الملايين في حملات مقاومة المقاومة الشيعية في لبنان تحت مسمى “مقاومة حزب الشيطان” في الوقت الذي تتربص فيه الصهيونية بالجميع.

ونتيجة لما سبق ذكره من القمع السياسي والتعذيب وولاء بعض السلطات للشيوعية أو للغرب إلى درجة إقامة القواعد العسكرية والتصالح مع الصهاينة؛ لم يسلم حتى عدد من كبار مفكري الحركات الإسلامية من غلبة التنميط والانغلاق والرُهاب على فكرهم، فتراجعت الرسالة بالتدريج من هداية وتنوير العالم إلى استعادة هوية الأمة في ظل الاحتلال وصولاً إلى الانتقام – وربما على طريقة شمشون! – ويمكن للباحث اكتشاف بعض هذا التدرج في مؤلفات سيد قطب، والتي أسست لجيل ما زال يتوسع حتى الآن من الإسلاميين الذين يتخذون من المؤامرة أساساً لفهم التاريخ والعلاقات الدولية والحراك السياسي.

ففي بعض مؤلفات شقيقه الدكتور محمد قطب – وغيره من المؤلفين الأكثر تمثيلاً لهذا الفكر – يعاد تأويل الكثير من الأحداث والوقائع على نحو يوحي للقارئ بأن جميع قوى العالم تتحالف وفقاً لمؤامرة محكمة لتدمير الإسلام دون غيره، حتى لو شهد التاريخ صراعات أخرى لا ناقة للمسلمين فيها ولا جمل، بل يصل الأمر بالبعض إلى الاعتقاد بأن العلمانية ليست سوى غطاء للصليبية، وأن الصهيونية مجرد واجهة لليهودية، أما الشيعة الإمامية فهم مجوس فارسيون أبطنوا الكفر أربعة عشر قرناً بتواطؤ مع اليهود وبقية الفرق الباطنية الإسماعيلية والدرزية لتدمير الإسلام. فالعالم كله في نظرهم يعتنق ديناً ما تم تحريفه ويتعصب له كما يتعصبون هم لمذهبهم، ولا وجود في أجندتهم للعلمانية والإلحاد والأطماع الرأسمالية والخطط الإستراتيجية الدنيوية.

ومع أننا لا ننكر البعد الصليبي المستَبطن لا شعورياً في اللاوعي الغربي؛ إلا أن انغلاق البعض ورفضهم التحالف مع إسلاميين آخرين قد وصل إلى درجة العجز عن فهم تنازل الأوربيين عن خلافاتهم الداخلية لتشكيل اتحاد سياسي واقتصادي يحقق مصالحهم، فهُم في نظرهم ليسوا سوى امتداد للروم والفرنجة الصليبيين الذين لا همّ لهم في الوجود سوى تدمير الإسلام، وكلما صعدت إحدى قوى اليمين في العالم المعادي أعلن هؤلاء الشماتة بدعاة التقريب والسلام انتصاراً بظهور صليبية بوش وبلير أو “مجوسية” الخميني ونجاد وحزب الله أو هندوسية بهارتيا جاناتا، دون أن يدركوا تعقيد وتنوع الحركات السياسية في العالم التي تتوزع بين طرفي الطيف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فهم لا يشكلون بذلك سوى مرآة لليمين الذي يناصبوه العداء بكل ما اشتهر عنه من قصر نظر وسطحية ورُهاب.

والمؤسف في الأمر أن يُستغل هذا الفكر القاصر من قبل بعض القوى السياسية لتحريك الرأي العام ضد أو مع قوى أخرى، فلم تعد الجهود التي تُبذل طوال سنوات في نشر ثقافة التقريب والحوار والفهم تجدي مع شيوع هذه العقلية التي تستفز مشاعر الناس وغرائزهم بمجرد موقف واحد.

إذ يكفي أن يقدّم أحد الحمقى رواية تافهة أو رسماً كاريكاتورياً أو فيلماً رديئاً، أو أن يكتفي بمجرد التهديد بحرق نسخة من المصحف – بهدف تحقيق مصالح شخصية أو سياسية – لإهدار طاقات شعوب بأكملها في البكاء والتشكي والغضب، ثم الانهزام والتقوقع ومراكمة المزيد من مواقف الانكسار والضعف والشعور بالعجز في الذاكرة الجمعية لأجيال لم تعرف سوى انهيار الخلافة والاستعمار ونكسة حزيران واحتلال العراق والفقر والأمية والعنوسة والبطالة، على أن يجري ذلك كله أمام كاميرات عالم متخم بسرقة خيرات الشعوب اعتاد التفرج على نشرات الأخبار بخليط من اللامبالاة والسخرية والعجب.

أما اجتراء داعية شيعي مغمور في سن الثلاثين على أم المؤمنين فيكفي لملء وسائل الإعلام، شهراً كاملاً أو يزيد، وفي أكثر مناطق العالم فقراً وإحباطاً واستبداداً؛ بمادة دسمة من الأخبار والتحركات والأحداث والعجائب، ويكفي أيضاً لشغل مئات الإسلاميين – وبعضهم من كبار الدعاة وخريجي الجامعات الغربية – عن قضايا الساعة لحشد قوى المسلمين العرب ضد إيران التي تجرأت لوحدها بالتمرد على الغرب والصهيونية.

وبنظرة سريعة على بعض المنتديات والمواقع الاجتماعية على الإنترنت خلال تلك الفترة؛ يمكننا تلمس عقلية الرهاب الكامنة خلف تحفيز غرائز العوام بكل المستويات، بدءًا من امتهان “العدو” للشرف والانتماء ومشاعر البنوة -تجاه أم المؤمنين- ثم طعنه بقداسة الدين، وصولاً إلى تهديده لحقهم في الوجود!

أما الحوار الهادئ والبحث عن نقاط مشتركة لإحلال السلام في الأرض، فباتت أموراً معيبة يخجل العقلاء من مجرد التذكير بها خشية أن يُطعن في دينهم وغيرتهم على الدين والشرف والوطنية، بل تُرفع في وجوههم “الأدلة الدامغة” على “حقيقة المؤامرة”، والتي لا أرى فيها سوى مكيدة ما زالت تُطبخ في غرف العمليات منذ تطبيق سياسة الإنجليز “فرّق تسد”، دون أن يكتسب هؤلاء الإسلاميون أي مناعة منها على طول تاريخهم الحديث المشبع بالهزائم، بل ما زالوا يقدمون في كل مناسبة فرصة لسخرية الليبراليين الذين وصل بهم الحال إلى تطرف مقابل في جلد الذات وحسن الظن بالغرب.

لا شك في أن المسلمين هم أكثر الشعوب معاناة من الاضطهاد الفكري والسياسي والعسكري، وأن جهودهم السلمية لاحتواء مهازل التحقير التي تعرضت لها مقدساتهم في أعمال كرواية رشدي وفيلم فتنة والرسوم الدانمركية لم تجدِ نفعاً قبل اشتعال فتيل الأزمة، لكن التجربة أثبتت أن اليمين المتطرف يتعمد هذا الاستفزاز للحصول على تلك النتائج بهدف تحقيق مصالح سياسية ودينية أكبر.

ولعلنا نخصص دراسة أخرى مستقلة للمقارنة مع ردود الفعل اليهودية تجاه العنصرية التي تعرضوا لها طوال العصور الوسطى في أوربا وحتى منتصف القرن العشرين، حيث تمكنوا بتنظيم جهودهم وتوحيد صفوفهم من تحويل الحقد إلى شعور بالذنب، ثم وظفوا فهمهم العميق لعقلية الغرب وآلية عمل مؤسساته وطرق التأثير على رأيه العام لتغيير القوانين لصالحهم بتجريم اضطهادهم، وأتقنوا فنون الإرهاب والاغتيال والاحتلال بالخفاء دون تشويه صورتهم بالغضب والعنف!

7- وضع النبي صلى الله عليه وسلم منهجاً واضحاً في توزيع المهام وفقاً للتخصص والميول والقدرات، فلم يكن ابن عمر ليتدخل في شؤون السياسة، كما لم يتخطّ خالد بن الوليد حدود مهامه العسكرية والسياسية ليفتي في الدين، لكن الكثير من فقهاء ووعاظ وطلبة هذا العصر ينطلقون من فهمهم الخاص لشمولية الإسلام ولعالمية الفقه والقرآن الكريم كي يدلوا بدلوهم في السياسة والاستراتيجيا، ثم تتلقى الجماهير رؤاهم الخاصة بعد تغليفها بدرع من الحصانة والقداسة وكأنها قرينة للدين نفسه.

هذا الاستسهال هو الذي أفرز ثقافة السطحية على طول النصف الأخير من القرن العشرين، حتى ترسخت في نفوس عدة أجيال لتلقى اليوم في ظل العولمة ما يزيد من سهولة انتشارها عبر تقنيات الاتصال بدلاً من تجاوزها، فلم يعد بالإمكان اليوم معالجة المؤامرة بنظرة موضوعية بعد أن شوّه وعاظنا الأفاضل صورتها بتحويلها إلى “نظرية كل شيء”، حتى انقلب العلمانيون في رد فعل معاكس لنفي المؤامرة نفسها.

الصراعات السياسية تتميز بتنوعها وتعقدها الشديدين، فاحتلال العراق لم يكن مجرد حملة صليبية وفقاً للمنظور الديني، ولا مجرد احتلال لمنابع النفط كما في الرؤية اليسارية الضيقة، بل هو خليط من هذا وذاك إلى جانب دوافع أخرى كثيرة تداولتها آلاف الدراسات الاستراتيجية في العالم كله، والأمر ذاته ينطبق على الصراع بين ضفتي الخليج العربي، وعلى التواجد الصهيوني في المنطقة، وعلى توزع الولاءات بين الأقطاب الدولية ذات المطامع الواضحة.

التحليل السياسي علم مستقل، يستعير من علم الاجتماع والتاريخ المقارن أدوات التحليل والاستقصاء، ويتعاون مع علم الاقتصاد لفهم آليات السوق وفقاً لمعايير تجريبية وإحصائية، ويستعين بدراسات علم النفس والإعلام والعلاقات العامة للوصول إلى فهم أعمق لسيكولوجية الجماهير وصناع القرار، ثم يأتي دور التفلسف بعد هذا كله.

وقد كان من الأجدر بنا استنباط هذه العقلية العلمية من وحي السنة النبوية، وأن نكون أكثر حذراً قبل إطلاق الأحكام وتهييج الشعوب وتفريقها في طوائف وأعراق والدخول في لعبة سياسية وطائفية قذرة لا يستفيد منها سوى العدو المتربص والطغاة المتحالفون معه، بدلاً من أن يركن فقهاؤنا ووعاظنا الأكارم إلى عقلية الاستسهال لتلحق بهم الشعوب في تقليد أعمى مبطن بالتقديس.

إنها مسؤولية كبرى سيحمل عبأها العلماء قبل العوام، فمن العجيب حقاً أن يتورعوا عن أي تساهل في الموسيقى واللباس والاختلاط، ثم لا يجدوا غضاضة في تصنيف الشعوب وتمزيق الأمم وتكريس الطغيان وتوزيع الولاءات وتغيير وجه التاريخ والجغرافيا اكتفاءً بما لديهم من تراث مُختلف عليه! (يتبع)..

 
Leave a comment

Posted by on May 8, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: