RSS

طبيعة الثورة العربية: تونس ومصر وليبيا

14 Mar

ثمة جدل متصل حول الثورات التي اجتاحت العالم العربي خلال الشهرين الماضيين، جدل يتعلق بطبيعة هذه الثورات، بما إن كان يمكن أصلاً وصفها بالثورات، وبما إن كانت في الحالتين التونسية والمصرية على الأقل قد أنجزت أهدافها. ولأن للثورات سجلاً في التاريخ الحديث، متفقا عليه بهذا القدر أو ذاك، فلا مفر من مقارنة الثورات العربية بسابقاتها في العالم، بدءاً بالثورة الفرنسية ووصولاً إلى الثورة الإيرانية.

شهدت الثورة الفرنسية، مثلاً، حراكاً شعبياً هائلاً، يرى الآن من زاوية الصراع الطبقي في مجتمع نهايات القرن الثامن عشر الفرنسي وصعود الطبقة الوسطى.

وبالرغم من أن الثورة الفرنسية أطاحت بالملكية وسلطة الكنيسة، وشهدت فصولاً دموية وإرهاباً واسع النطاق، لم تستطع في النهاية أن تؤسس لاستقرار سياسي في فرنسا، التي وقعت فريسة لأحلام إمبراطورية، وحروب أوروبية عاصفة، وانتقالات متتالية من النظام الإمبراطوري إلى النظام الجمهوري. في منتصف القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا موجة واسعة من الثورات، ولكن هذه الثورات لم تحقق إنجازات ملموسة مباشرة، وإن تركت أثراً بطيئاً وبعيداً على عملية التحول الديمقراطي في أنحاء القارة.

وليس هناك ثمة شك في أن الثورة الروسية في 1917 أصبحت علامة بارزة في تاريخ الثورات، وأنها طبعت القرن العشرين بطابعها، ليس فقط لعمق أثرها على مجتمعات الإمبراطورية الروسية، ولكن أيضاً للدور الذي لعبه النظام الشيوعي في توازنات القوى العالمية. انطلقت الثورة الروسية من عبء الهزائم الروسية الثقيلة في الحرب العالمية الأولى، ومن تفاقم سيطرة نظام طبقي استبدادي وكنيسة وثيقة الصلة به.

وبالرغم من أن التوجهات المبكرة للثورة كانت ديمقراطية بامتياز إلا أن التنظيم المحكم للبلاشفة، الذين كانوا مجرد مجموعة صغيرة في صفوف الثائرين، ساعدهم في النهاية على السيطرة على مقدرات الثورة والبلاد. وربما شهدت الثورة الإيرانية في 1979 تحولاً شبيهاً في مقدرات الثورة عندما حققت القوى الإسلامية الأكثر تنظيماً صعوداً حثيثاً خلال شهور الثورة الطويلة والدموية، لتنجح في النهاية في إقامة الجمهورية الإسلامية وتهميش كافة التيارات السياسية الأخرى التي شاركت في الثورة.

طرحت الثورة الفرنسية شعارات وأسست لقيم جديدة في مجالات السياسة والحكم والاجتماع؛ ولكن من الصعب القول أن الثورة كانت نتاجاً أو انعكاساً لمنظومة أيديولوجية محكمة. مهما كان الأمر، فإن عصر الأيديولوجيات الحديثة لم يكن قد تبلور بعد. أما الثورة الروسية في طورها البلشفي والثورة الإيرانية في طورها الإسلامي، فكانتا ثورتين أيديولوجيتين بامتياز.

في كلتا الحالتين، عمل المحتوى الأيديولوجي للثورة، والعنف واسع النطاق الذي فجرته، على إطاحة نظام الحكم السابق وتقويض بنية الدولة التي استند إليها نظام الحكم.

وسرعان ما عمل الثوريون المنتصرون على إقامة دولة جديدة، دولة شيوعية في الحالة الروسية ودولة إسلامية في الحالة الإيرانية، أظهرت كلتاهما قدرة أعلى على التحكم والسيطرة، بل وعلى توظيف أدوات عنف الدولة لتدمير القوى المعارضة وتأسيس حكم أيديولوجي، شمولي. ولكن الموجة الثورية الأوروبية الديمقراطية في السبعينات (أسبانيا والبرتغال) ونهاية الثمانينات (دول الكتلة الشيوعية السابقة)، فكانت مختلفة إلى كبير.

هنا، اتسمت الثورات الأوروبية بطابع سلمي نسبي؛ وبالرغم من أنها جميعاً استلهمت النظام الليبرالي الرأسمالي، إلى أنها لم تستند إلى مفاهيم أيديولوجية محكمة، بل إلى مجموعة قيم سياسية. وقد انتهت جميعها تقريباً إلى أنظمة ديمقراطية ذات محتويات اجتماعية متفاوتة، أفسحت مجالاً حتى للأحزاب الشيوعية السابقة، التي استطاع بعضها، منفرداً أم متآلفاً، في بعض الحالات العودة إلى الحكم.

ليست هناك ثورة جماهيرية طبق الأصل عن الأخرى، وإن اشتركت أحياناً في سمة ما أو عدد من السمات. وربما كان المشترك في أعلى مستوياته بين ثورات نهاية الثمانينات الأوروبية، نظراً لأنها جميعها كانت ثورات على أنظمة الحزب الشيوعي، أنها استهدفت إنجاز التحول الديمقراطي والانضواء في المنظومة الأوروبية الليبرالية.

وسيكون من الخطأ الفادح النظر إلى سلسلة الثورات العربية، سواء تلك التي حققت بعضاً من أهدافها، أو تلك التي لم تزل في طريق التحقق، باعتبارها نسخة من الثورات السابقة، أو تقييمها على أساس من المعايير المستمدة من موجات الثورة السابقة في العالم.

ربما من الضروري في البداية ملاحظة التشابه الكبير بين المناخات السياسية والاجتماعية التي ولدت موجة الثورات العربية، من جهة سيطرة أنظمة مستبدة، وتحكم قلة صغيرة في مقادير الحكم والثروة، والانتشار الفادح للفساد، والإهانة العميقة التي أوقعتها هذه الأنظمة بروح الشعب والكرامة العربية.

كما أنه من الضروري ملاحظة الشعور العربي المشترك بالوحدة، بالرغم من الانقسام السياسي العربي العميق ورسوخ أقدام الدولة القطرية. كلا العاملين لعبا دوراً فاعلاً في إطلاق سلسلة الثورات العربية، من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن. والواضح أن الثورات العربية ليست ثورات طبقية بأي حال من الأحوال؛ بمعنى أنها ثورات ما بعد النموذج الماركسي التحليلي.

الاعتقاد بأن هذه ثورات الفقراء والمحرومين ليس أقل خطاً من الاعتقاد الشائع بأنها ثورات الطبقة الوسطى. خرج التونسيون والمصريون، ويقاتل الليبيون ويتظاهر اليمنيون، في عمومهم، بغض النظر عن الفئة الصغيرة التي أطلقت شرارة الثورة في كل حالة من الحالات. وهذه أيضاً ثورات ما بعد الأيديولوجيا، بمعنى أنها لا تستند إلى مرجعية أيديولوجية قاطعة.

ما تستهدفه الثورات العربية هو إعلاء منظومة من القيم السياسية والاجتماعية، منظومة لا يختلف عليها حزب أو تيار، وتجمع بين طموحات المجتمع الإنساني كله، ابتداء من المطالبة بمزيد من الحرية، إقامة نظام سياسي ديمقراطي وتعددي، مواجهة الفساد، وسيادة حكم القانون.

بيد أن مسارات الثورات العربية ستختلف بالتأكيد، على الأقل في المدى القصير، نظراً للتباينات الاجتماعية والثقافية بين هذه المنطقة العربية وتلك، ونظراً للاختلافات بين أنظمة الحكم وبنى الدول القطرية. انطلقت الثورة التونسية من مدن الوسط، واتسعت سريعاً نحو الجنوب والشمال. وكما كان متوقعاً، لم تستطع إطاحة بن علي إلا بعد أن وصلت إلى العاصمة التونسية.

ولكن الثورة المصرية انطلقت بداية في العاصمة، واتسعت خلال أيام قليلة إلى كافة مدن البلاد. وفي كل من تونس ومصر، لعب الجيش دوراً رئيسياً في إطاحة الرئيس السابق، عندما أصبح واضحاً أن مؤسسات التحكم الأخرى للنظام قد انهارت وأن على الجيش أن يختار بين الحفاظ على الدولة والحفاظ على نظام الحكم. في تونس، ابتعد الجيش عن ممارسة السلطة والحكم، ووفر للسياسيين المدنيين فرصة قيادة البلاد في المرحلة الانتقالية.

أما في مصر، فلم يكن المخرج التونسي ممكناً، نظراً لحجم الحراك الشعبي، وصعوبة تقديم خيار دستوري مقنع للملايين الشعب الثائرة، ولأن الجيوش أصلاً مؤسسات محافظة، فليس ثمة شك في أن جنرالات الجيش في تونس ومصر لا يريدون تغييراً شاملاً وجذرياً، وأن مثل هذا التغيير سيقع فقط بفعل الضغوط الجماهيرية وصلابة الإرادة الشعبية.

والواضح الآن أن المسار الليبي سيكون أكثر اختلافاً عن المسارين التونسي والمصري، بالرغم من أن المعارضة الليبية الشعبية لا تقل اتساعاً وعمقاً عن المعارضتين التونسية والمصرية. ليست ليبيا بلداً متسع الأرجاء وحسب، ولكنه أيضاً قليل السكان نسبياً، بينما لا تقل أدوات العنف والقمع التي يمتلكها النظام الليبي حجماً وفعالية عن مثيلتها في تونس ومصر.

وبينما نجحت الثورة الليبية في إطاحة أدوات النظام وسلطته في مدن بعيدة وقريبة عن العاصمة طرابلس، فإن محاولات إشعال الثورة في العاصمة لم تنجح في صورة ملموسة حتى الآن. وهذا ما أدى في النهاية إلى تحول الثورة الليبية إلى ثورة مسلحة، وإلى أن يعاني النظام من الدرس الإيراني عندما أدى وضع الجيش في مواجهة الشعب إلى تفكيك المؤسسة العسكرية وانهيارها.

لم تبق في حوزة النظام الليبي سوى عاصمة مقهورة ومتذمرة ووحدات أمن متورطة في سلسلة جرائم طويلة؛ ولكن الدولة الليبية لن تخرج من النهاية بمثل التماسك الذي خرجت به الدولتان التونسية والمصرية، ليس فقط لأن دولة القذافي هي في حقيقتها شبه دولة، ولكن أيضاً لمقدار العنف الذي ولدته مواجهة النظام مع الحركة الشعبية، وللزمن الطويل نسبياً الذي تتطلبه ثورة الشعب الليبي قبل أن تحقق انتصارها.

كيف يقع حدث الثورة، وإلى أي حد ينخرط الشعب في وقائعه، هو الذي يجعل من الثورة ثورة. ولكن النتائج التي تنتهي إليها الثورات تختلف من موقع إلى آخر. ما يوحد الثورات العربية اليوم هو هدف إسقاط أنظمة الحكم، وإجراء إصلاحات عميقة في جسم الدولة، بدون إطاحتها كلية، إجراءات تكفل تحقيق الحريات والديمقراطية وحكم القانون ومحاصرة الفساد.

وإن نجحت الثورتان التونسية والمصرية في اقتلاع الطبقة الحاكمة، فإن يقظة الشعبين كفيلة بإصلاح بنية الدولة وأجهزتها في البلدين. أما في ليبيا، فكل الخيارات مطروحة أمام نظام الحكم وكبار رجالات الدولة.

ما لا يمكن إغفاله في النهاية أن موجة الثورات العربية ماضية في طريقها، وأنها تقدم للعالم نماذج جديدة لصلابة الإنسان العربي وحكمته، ولتصميم الشعوب العربية وسعيها لإقامة حكم عادل وبناء حياة كريمة.

 
Leave a comment

Posted by on March 14, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: