RSS

08 Mar
الثورة طريق للإصلاح وطريق للفتنة!!
08-3-2011
إبراهيم الخليفة / باحث سياسي
في السياسة لا يوجد طريق ثالث، فإما أن تكون الولاية السياسية بيد الأمة، وإما أن تكون بيد إحدى العائلات أو المجموعات الانقلابية التي تنتزع أمر الأمة بالسيف أو الدبابة ثم تورثه إلى الأبناء أو الرفاق.. الثورة يمكن أن تكون أسرع طريق نحو الإصلاح، ويمكن أن تكون طريقاً أكيداً نحو الفتنة وتؤدي إلى الفوضى والحروب الأهلية أو إعادة إنتاج الأوضاع الراهنة. فمتى تكون طريقاً للإصلاح ومتى تكون طريقاً للفتنة؟!

تكون طريقاً للإصلاح إذا شاع بين الناس الحد الضروري من ثقافة ولاية الأمة وازداد الاحتشاد حول متطلباتها بين أكبر عدد من أبناء المجتمع، وفي مقدمة تلك المتطلبات قيم الشورى والعدل، وذلك على نحو يؤهلهم للانتقال من حكم الاستبداد إلى حكم الاختيار.

لا بد من وجود هذه الأرضية الثقافية، ولا بد أن تكون قد أصبحت قوة ضاغطة على مختلف الأطراف، بمن فيهم الجيش الذي يمكن مع وجود هذه الثقافة ضمان الحد الأدنى من العوامل الدافعة باتجاه انحيازه للثورة أو على الأقل حياده أو تردده.

إن شيوع ثقافة ولاية الأمة هو الذي يعطي للثورة أساس مشروعيتها ومبرراتها القيمية والأخلاقية في مواجهة الاستبداد والفساد. وإذا سلكت الثورة طريق التغيير السلمي وتمكنت من حشد أكبر عدد من الناس عن طريق المظاهرات السلمية الواسعة والمتزامنة، فإنها ستنزع من المستبدين والطغاة والحلفاء الخارجيين أقوى ذرائعهم وحججهم في الحفاظ على الأمن أو مقاومة الإرهاب.

كما أن الحشد الواسع يعطى للثورة زخمها ومشروعيتها الاجتماعية ويحد من فرص وإمكانات قمعها وتطويقها، ويمدها بإمكانات واسعة للتوسع والتصعيد والضغط ووضع الأطراف الدولية الفاعلة في موضع حرج بين الانحياز إلى المستبدين والطغاة وبين فقـدان كل مصداقيتهم حيال شعارات الديمقراطية وحرية الشعوب.

أما إذا لم تكن ثقافة ولاية الأمة شائعة بين الناس وجاذبة لغالبية أبناء المجتمع، فإن الثورة ستكون طريقاً نحو الفتنة والحروب الأهلية أو استمرار الوضع الاستبدادي أو استبداله بنظام استبدادي آخر.  

إذا كان معظم الناس لا يؤمنون بولاية الأمة، فكيف يكون للشورى والعدالة والحريات السياسية أي مكانة أو مستقبل؟  

في السياسة لا يوجد طريق ثالث، فإما أن تكون الولاية السياسية بيد الأمة، وإما أن تكون بيد إحدى العائلات أو المجموعات الانقلابية التي تنتزع أمر الأمة بالسيف أو الدبابة ثم تورثه إلى الأبناء أو الرفاق.

إن شيوع ثقافة ولاية الأمة يعني شيوع وازدهار قيم الشورى والحرية والعدالة، فهي من متطلبات تحقيق تلك الولاية أو من أدواتها ولوازمها. ومن المنطقي في هذه الحالة أن تكون الثورة طريقاً نحو الإصلاح، فهي ستأتي بقيم الشورى والحرية والعدالة التي أصبحت شائعة بين الناس.

أما إذا كانت الثقافة الشائعة بين الناس تسمح بوضع الأمة في أيدي إحدى العائلات أو مجموعة من الانقلابيين وتتعايش مع هذا الوضع وتسكت عنه ولا ترى فيه نيلاً من قيم الشورى والعدل وولاية الأمة، فإن المظاهرات والاعتصامات ستكون طريقاً نحو الفتنة والفوضى والقلاقل، ولن تؤدي إلا إلى زيادة مستوى القمع وترسيخ الأوضاع القائمة أو الدفع باتجاه بعض الإصلاحات القشورية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

وحتى لو نجح الناس في تغيير الحكام فإن النتيجة لن تتجاوز استبدال المستبدين الحاليين بمستبدين جدد، ذلك أن الحكم العائلي والانقلابي لا يتحقق بغير الاستئثار بالقرار والاستتباع ووضع العائلة أو العصابة الحاكمة فوق الأمة.

إذا لم تكن قضية ولاية الأمة قد أصبحت بمثابة محرك ثقافي شائع وجاذب ومستقطب لغالبية الناس، وخصوصاً النخبة المسموعة لدى الناس، فإنهم لن يروا في الاحتشاد والتظاهر والاعتصام سوى البلاء والفتنة والفوضى. وإن تظاهروا أو اعتصموا فإن من السهل على أي حاكم أن يقمعهم، مؤيداً بجيشه وقواته وفقهائه وكتابه ووسائل إعلامه.

وقديماً لم يتردد أهل السيف والحكم العائلي في قتل بعض خيار الأمة وأعلامها والتمثيل بجثثهم، مثل الحسين رضي الله عنه وعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، ولم يترددوا في استباحة أقدس البقاع والتنكيل بأهل مدينة الرسول في وقت امتلائها ببقية الصحابة والتابعين وضرب الكعبة بالمنجنيق في سبيل انتزاع أمر الأمة والاحتفاظ به كميراث عائلي.

إذا أرادت الأمة أن تستعيد أمرها فلا بد أن تتحرر أولاً من فقه السلاطين وأن تؤمن بأنه لا حق لأية عائلة أو مجموعة انقلابية في اغتصاب أمر الأمة والاستئثار به، فهذه هي الفرعونية السياسية بقضها وقضيضها وسننها وقوانينها.

إن ولاية الأمة لا تأتي إلا بدفعة ثقافية وأخلاقية جارفة كما هو الحال في عهد الخلفاء الراشدين الذي أتى كنتيجة لعهد النبوة والرسالة، أو كمحصلة لرحلة طويلة من التأصيل الثقافي والشيوع الاجتماعي لمجموعة من القيم المشتركة الخادمة لمبدأ ولاية الأمة، وفي مقدمتها قيم الحرية والعدالة والشورى.

وإذا اجتمعت ثقافة المُلك التلقائية والراسخة والمتجذرة عبر القرون، وأصبحت قيم الحرية والشورى والعدالة محجوبة أو مقموعة بقدر اقترابها من عالم السياسة، وهيمنت ثقافة التقليد، وأصبح مفهوم البدعة خادماً لأهل التغلب، وتعايش الناس مع صورة الشريعة المعزولة عن السياسة وأهلها، فإن حياة الناس لن تعرف غير قوانين الاستبداد وسُننه، وسيسهم وعيهم وثقافتهم وأوضاعهم وجهودهم في خدمة الاستبداد وتبريره وتجميله والدفاع عنه بكل وسيلة.

لن يشعر الناس بحجم ومقدار الاستقامة أو الانحراف السياسي الذي يعيشونه إلا بمقدار إدراكهم لقوانين عالم السياسة. وإذا أدركوا أن الشورى والحرية والعدالة لا يمكن أن تتحقق إلا على أرضية ولاية الأمة أو ولاية صفوتها، وأن الانتقال إلى الحكم العائلي والانقلابي هو بمثابة هدم لقيم الشورى والحرية والعدالة وتعطيل لفرص تحققها في كل ما له علاقة بالسياسة، فإنه يمكنهم إدراك حجم ومقدار الاستقامة أو الانحراف السياسي الذي يعيشونه.

وبمثل ما ينبغي إدراك القوانين الحاكمة لعالم السياسة، فإنه ينبغي تجنب حجبها خلف معايير العقيدة والعبادة أو خلف مفاهيم المصلحة والفتنة.

إن الحديث عن عقيدة الحاكم وعبادته ليس حديثاً عن السياسة، فالعقيدة والعبادة هما من الشؤون المشتركة بين كل المؤمنين، وأبسط الوظائف وأدناها تتطلب حسن السيرة والسلوك. ومعايير العقيدة والعبادة لا تغير قوانين عالم السياسة ولا تقلب مكانة قيم الشورى والعدل والحرية، فهذه التحولات مرتبطة بولاية الأمة أو ولاية العائلة، فإما أن يكون أمر المسلمين شورى بينهم وإما أن يكون أمرهم بيد عائلاتهم وانقلابييهم.

حتى مفاهيم المصلحة والفتنة وما إليها ستخضع للقوانين الحاكمة لعالم السياسة. وفي الحكم العائلي والانقلابي ستتحول هذه المفاهيم إلى أغطية حاجبة للاستبداد وأدوات لتبريره وتجميل صورته والدفاع عنه.

وأي جهد باتجاه مد قيم الشورى والحرية والعدالة نحو عالم السياسة، سيكون جهداً ضد مصلحة الحكم العائلي والانقلابي وتوظف ذرائع المصلحة والفتنة ضد هذا الامتداد.

أما إذا شاعت ثقافة ولاية الأمة فإن امتداد الشورى والعدل والحرية إلى عالم السياسة سيكون في مقدمة المصالح التي ينبغي مراعاتها وحمايتها، وسيكون الحكم العائلي والانقلابي أكبر بوابات الفتنة التي تنذر بوضع شؤون الأمة وثرواتها وفقهها وثقافتها وإعلامها في قبضة العائلة أو المجموعة الانقلابية الحاكمة.

لا جدوى أبداً من التغيير إذا لم تكن ثقافة ولاية الأمة قد شاعت بين أكبر عدد من الناس وأصبحت قوة ثقافية ضاغطة على مختلف الأطراف، فالتغيير الواقعي إذا نجح دون تغيير الثقافة السياسية، فلن يأتي إلا بمتغلبين آخرين، وإن فشل فسيستمر الاستبداد أو تحدث الفوضى والحروب الأهلية. ومن هنا تأتي أولوية التغيير الثقافي على التغيير الواقعي.

وهذا – في تقديرنا – هو ما يفسر كل التشديد النبوي على الطاعة والصبر، إلى جانب التأكيد على ولاية الأمة والبعد عن أهل الجور والصدع بالحق في مواجهتهم والعض على سنن الخلفاء الراشدين بالنواجذ والحذر من محدثات الأمور بعدهم، فكأن المطلوب هو التغيير الثقافي باتجاه إشاعة ثقافة ولاية الأمة التي بوجودها سيكون التغيير إيجابياً وبانعدامها سيكون سلبياً ومتعدد المخاطر.

http://alasr.ws/index.cfm?method=home.con&ContentId=11764

 
Leave a comment

Posted by on March 8, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: